#dfp #adsense

زمن سقوط الأباطرة

حجم الخط

"وما استعصى على قوم منال
إذا الإقدام كان لهم ركابا"
أحمد شوقي

قبيل وفاة الرئيس حافظ الأسد سنة 2000، وفي غمرة التعديلات الدستورية والتحضيرات لتوريث ابنه، الرئيس الحالي، بشار النظام في سوريا، جرى حديث بيني وبين استاذ جامعي لبناني وعضو في حزب "البعث العربي الاشتراكي"، بدأ فيه صاحبنا بانتقاد أنظمة الممالك التي تحكم بعض العالم العربي، معتبراً أنها أنظمة عفى عليها الزمن، فقلت له انه "لا فرق بين هذه الأنظمة البائدة وبين الأنظمة الأخرى القائمة في العالم العربي حيث الرئيس يبقى في الحكم كالملك الى حين يأخذ الله أمانته، ويسعى عندما يقترب الأجل الى توريث أحد أبنائه".

فانتفض الاستاذ الجامعي، وقال: "نحن في سوريا (وهو لبناني) نمارس ديموقراطية شعبية فلدينا مجلس شعب وانتخابات واستفتاءات تليق بوعي هذا الشعب العظيم". فقلت "إن هذه المجالس والانتخابات والاستفتاءات معلبة سلفاً وهي تحت رعاية حزب واحد، لا بل تحت رعاية عائلة واحدة، وبما أن الشعب السوري عظيم، ألا يوجد فيه شخص واحد، ولو حزبي، قادر على خلافة الرئيس بدل تعديل الدستور لتوريث ابن الرئيس".

انتهى الحديث باتهامي بالوقوف تحت تأثير "الأفكار الأميركية الماكرة والتي تريد الاعتداء على ثقافتنا وتراثنا العربي وتجريدنا من القيادات التي تواجه الاستعمار والصهيونية"، كما أنه نصحني بألا أعيد ما قلته على مسمع الآخرين لأنهم لن يكونوا رحومين بي، كما يفعل هو احتراماً لموقعي كطبيب. ثم أضاف: "أنظر يا صديقي ماذا فعلت الديموقراطية في لبنان، حرب وفوضى وعدم استقرار، في حين تنعم سوريا بالاستقرار والنظام".

لا شك أن هذه النغمات كانت الى الأمس القريب تلقى آذاناً صاغية من قبل البعض الذين يرددون بمنطق الحاجة الى "حكم ديكتاتور" يفرض القانون ويبطش بالناس لإجبارهم على الخضوع للسلطة. أما ما حدث خلال الأشهر الماضية في تونس ومصر، التي تحكم بيد من حديد وبشكل شمولي دون مؤسسات تحاسب الحاكم لا يمكن أن تستمر الى الأبد حتى ولو ظن حكامها بأنهم باقون الى ما بعد الأبد. فالواقع هو أن الأنظمة التي تحتاج الى الكثير من الطاقة للحفاظ عليها، تكون عادة بعيدة كل البعد عن الاستقرار، وإن بدت صلبة بالظاهر، لأنه يكفي أن تتغير بعض المعطيات، أو يأتي حدث قد يبدو بسيطاً، ليقلب الأمور رأساً على عقب فينهار التوازن المحلي والإقليمي الذي يحافظ على استمرار هذا النظام وهذا القانون هو أحد القوانين الطبيعية المعروفة. (النظام الذي يحتاج الى الكثير من الطاقة للحفاظ عليه يكون عادة غير مستقر).

وكانت هذه الأنظمة، وفي سبيل مواجهة التحركات المدنية والعلمانية والقومية واليسارية، قمعت مبدأ العمل السياسي الحر وجعلته مقنناً بما تسمح به السلطات، فهجرت أو طوعت النخب المدنية القادرة على القيادة، ومن لم يهاجر أو يطوع أدخل في دائرة من الفساد لتحييده أو لجعله خادماً للنظام القائم.

وهذا لا يعني أن كل حكام هذه الأنظمة تقصدوا منذ البداية إغراق البلاد بالفوضى والفساد، فمعظمهم أتوا الى السلطة وهم يحملون الكثير من الأهداف السامية من عدالة ومساواة ونظافة كف، ولكن مرفقة مع شهوة للسلطة مطعمة بقدرة واضحة على تخطي منطق الحريات المدنية في سبيل البقاء في الحكم. ولكن العمر المديد، وتنامي الشبق السلطوي يدخلان الحاكم عادة في لعبة المساومات لمداواة التآكل الطبيعي لواقع حاكم من يبقى في الحكم لمدة أطول من المقبول (وهذا واقع حتى في ظل الأنظمة الديموقراطية).

والمضحك المبكي في واقع الأنظمة العربية هو في أنها نسجت علاقات غريبة للحفاظ على استمرارها مع الدول الغربية الأكثر تعلقاً بمبدأ تداول السلطات. وشعار هذه العلاقات هو الحفاظ على الاستقرار من خلال الاستمرارية في الحكم، ومبدأ عدم السماح للقوى المتطرّفة، وبالأخص الإسلامية، من التسلل الى سدة الحكم في حال تم تطبيق الديموقراطية وحكم المؤسسات وتداول السلطات.

لذلك فقد حافظت هذه الأنظمة على نفسها من خلال أجهزة أمنية وقوانين طوارئ ونوع من الرعاية الدولية، ولكن واقع عدم السماح بأية أنشطة سياسية مدنية ذات معنى أدى الى تغييب الحركات المدنية غير الدينية مما ترك الساحة مفتوحة لبديل واحد وهو الخيار السياسي المرتكز على الموروث الديني القادر على الاستمرار بالرغم من الحظر المفروض على الأنشطة السياسية. والجدير ذكره أنه مع تزايد القمع تقل نسبة المعتدلين في الفكر والنهج الديني، وتزداد نسبة المتطرّفين الذين تخلو لهم الساحات بغياب أية منافسة من المجتمع المدني.

وأكثر ما يثير السخرية اليوم هو شماتة أكثر الأنظمة شمولية في المنطقة المتمثل بالنظام الإيراني ووليه الفقيه بما حدث في مصر، لا بل محاولته تبني هذه الحركات ذات الطابع العفوي، مع العلم أن الحشود المجتمعة في ميدان التحرير في القاهرة رفعت نفس الشعارات التي رفعتها المعارضة الإيرانية منذ بضعة أشهر والتي قمعتها سلطة الولي الفقيه ولا تزال وبشكل عنيف ودموي. أما بالنسبة لما يحدث الآن في سوريا، فقد تعامل النظام الإيراني معه وكأنه قضية داخلية إيرانية معتبراً الثورة الشعبية مؤامرة على مشروع الممانعة!

لا شك أن ما يحدث الآن، وبشكل مفاجئ، في المنطقة قد يكون سبباً للوقوع في الحيرة والشك والخوف من المستقبل، ولكن الثابت الأكيد هو أن الحرية تبقى أحد أهم المحركات الإنسانية، وأن القمع قد يفلح في المحافظة على بعض الأنظمة لبعض الوقت، ولكن ما كان يظنه الناس مستحيلاً قد يصبح واقعاً في أية لحظة.

لذلك، فما على الأنظمة التي لا تزال قائمة على مبدأي القمع والفساد، إلا أن تقلع عن استعمال سياسة النعامة والتوجه مباشرة الى إصلاحات تؤدي الى إعطاء فرص للحراك السياسي والمدني والوصول الى واقع يمنع الحاكم من تأييد نفسه في السلطة، فما حدث في تونس ومصر مرشح لأن يحدث عندها.

الغريب هو أن هذه الأنظمة تحاول تلافي هذه المصائر المحتومة بمزيد من القمع المصحوب بالكلام عن إصلاحات دون إجراءات عملية لأنها تدرك أن هذه الإصلاحات لا بد أن تكون بداية عهد الشمولية مما يعني حتماً زوالها، ولن تستفيد من تجارب الآخرين حقناً للدماء وحفاظاً على ماء الوجه لأن شبق السلطة بالنسبة لهؤلاء الحكام أقوى من أن يفوزوا بمجد لقب المصلح العادل الزاهد بالسلطة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل