.jpg)
من الصعب ألا يستنتج أي مراقب محايد، أن الحرب المفتوحة التي تشنّها القاضية غادة عون على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والقطاع المصرفي، تتخطَّى الأبعاد القضائية والقانونية الصرفة. ولعلّ ذلك ما دفع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي للدعوة إلى جلسة استثنائية في السراي، السبت الماضي، لبحث المضاعفات الخطيرة لإجراءات عون، استبقها بلقاء مع رئيس الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري.
هذا لا يعني أن المصارف “طاهرة” ولم ترتكب أي “خطيئة”، أو أن لا مسؤولية كبرى تتحمَّلها، بالقدر الذي تستحقه، في مسار أوصلنا إلى حالة الانهيار الحاصل وضياع أموال المودعين. لكن يعني، وفق مراقبين كثيرين، أن القاضية التي لا تخفي انتماءها وتبعيتها، ليست “منزّهة” من “رذيلة” الاستهداف والاستنسابية بالتوجُّه لأطراف بعينهم لغايات سياسية، خدمة لمصلحة فريق بعينه تُنسب إليه، إذ تغضُّ الطرف عن “خطاياه” الفاقعة وشبهات الفساد والصفقات والتنفيعات والتهريب التي تلوح حوله.
الخبير الدستوري والقانوني سعيد مالك، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “ما اعتبر استدعاء لأركان الجسم القضائي إلى جلسة مجلس الوزراء، السبت الماضي، لم يكن خطوة موفقة كونها جاءت متناقضة مع مبدأ دستوري جوهري وأساسي، وهو مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عنه في الفقرة (هاء) من مقدمة الدستور”.
لكنّ مالك إذ يشير، إلى أن “السلطة القضائية مستقلة بموجب المادة 20 من الدستور، وهي حرة وسيّدة وتلفظ أحكامها باسم الشعب اللبناني”، يؤكد أن “السلطة مسؤولية، مما يفيد على أن مَن يتولى السلطة القضائية يجب أن يتعاطى مع الملفات المعروضة أمامه، لا سيما إذا كانت حساسة وجوهرية وتؤثر على مجمل الوضع العام في البلاد، بكل دراية وحنكة وحكمة وشفافية، وبعيداً عن الشعبوية والاستنسابية، وعلى ألا يكون ضمن إطار خلفية سياسية أو حزبية”.
ويضيف، “يقتضي أن يتم التعاطي ضمن إطار مبدأ عام وعنوان عريض وهو إعلاء المصلحة العليا للبلاد فوق أي اعتبار. بحيث أي دعسة ناقصة لأي قاضٍ في أي ملف حساس كملف المصارف مثلاً، يمكن أن يودي ليس فقط بالقطاع المصرفي أو المالي أو النقدي إنما بالاقتصاد برمّته، خصوصاً في ظل الوضع الاستثنائي الانهياري الذي نعيشه”، معتبراً أن “المسؤولية تصبح مضاعفة وكبيرة جداً على القضاء في هذا السياق، لأنه لا يمكن التعاطي بخفة مع ملف قضائي بهذا الحجم، مع ما يمكن أن ينعكس من آثار حول أي قرار يمكن أن يتخذ ويكون في غير مكانه”.
ويعرب مالك، عن “تفهمه دعوة مجلس الوزراء لأركان الجسم القضائي للاجتماع به، ليس من باب الاستدعاء إنما من باب التشاور، لا سيما أن هناك مخاوف وهواجس كبيرة جداً بالفعل لدى المجتمع اللبناني ككل حول هذه المواضيع”، مشدداً على أن “الجهاز القضائي لديه الآلية لمحاسبة ومراقبة القضاة المخالفين، أو الذين يمتطون صهوة القضاء من أجل تحقيق مآرب محددة لمصلحة أفرقاء محددين، ضمن إطار التعسف في استعمال حق التقاضي”.
ويعتبر، أن “هناك دوراً كبيراً جداً لمتولِّي قيادة الجهاز القضائي والسلطة القضائية اليوم، خصوصاً رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود ومدعي عام التمييز غسان عويدات ورئيس هيئة التفتيش القضائي بركان سعد، الذين تُلقى عليهم مسؤولية كبيرة جداً بتصحيح البوصلة وتقويم الاعوجاج. لا سيما أننا نشهد أخيراً رزمة من القرارات والإجراءات التي يمكن وبحال استمرت، أن تودي بالاقتصاد وتنهكه وتطيحه بشكل كامل ومطلق”.
ويشدد، على أن “الرهان اليوم على أركان الجسم القضائي للقيام بما عليهم من واجبات، ضمن القانون ومن دون استنسابية وضمن الصلاحيات، لا أكثر ولا أقل، لتقويم الوضع وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. أما بالنسبة لما تتخذه القاضية غادة عون تجاه المصارف، ليكُن معلوماً أولاً أنه ليس هناك من امرئ مدرك لواقع الحال يمكن أن يبرِّئ المصارف. والمسألة ليست الوقوف إلى جانب المصارف، بقدر ما هي متعلقة بالاستنسابية في الملاحقة واختيار المصارف كقطاع دون سواه من الأطراف المسؤولة”.
ويوضح مالك، أن “ما وصلنا إليه هو نتيجة تعاطي الحكومات والمجالس النيابية ووزارات المال المتتالية، بالإضافة إلى حاكمية مصرف لبنان والمجلس المركزي وصولاً إلى المصارف”. ويشدد، على أن “هؤلاء جميعاً مسؤولون ويقتضي ملاحقتهم من أجل تعويض الخسائر التي لحقت بالمودعين وبالشعب اللبناني”.
ويؤكد، أنه “ليس من عاقل يمكن أن يكون إلى جانب المصارف بالتصرفات والإجراءات التي يقدم عليها القضاء. لكن حصر واستنسابية هذه الملاحقة واختيار القطاع المصرفي دون سواه من الإدارة وسلطة القرار في الدولة، فضلاً عن توقيتها بالذات قبل أسابيع قليلة من الاستحقاق الانتخابي، هذا ما يطرح علامة استفهام، ربما لتعويم فريق سياسي معين ضمن المعركة الانتخابية القائمة”.
ويبدي مالك تخوُّفه، من “أن يدفع المودعون الصغار الثمن الأكبر لهذه التصرفات. فما يحصل اليوم مبدئياً، هو أن المودعين الكبار الذين يتقدّمون بدعاوى ضد المصارف في الخارج ويستحصلون على أحكام، يتَّخذون الإجراءات اللازمة في الداخل من أجل تحصيل حقوقهم، لكن ما يجري بالفعل هو أن هذا التحصيل يحصل على حساب المودعين الصغار الذين بات الخوف كبيراً على حقوقهم التي أصبحت في خطر داهم، وهذا ما سيؤدي إلى كارثة اجتماعية كبيرة”.
بالتالي، يضيف مالك، “المرفوض هو هذه الشعبوية في التعاطي. لكن ليفهم الجميع، ليس من منطلق الدفاع عن المصارف، أبداً، التي أخطأت وتتحمَّل مسؤولية، لكنها ليست الوحيدة إنما من ضمن منظومة أوصلت الوضع إلى ما نحن عليه. وأي عاقل يدرك أن تدمير القطاع المصرفي نهائياً سيضاعف الانهيار، ولن يكون حكماً لمصلحة المودعين الصغار”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
