
كتب ميشال يونس في ” المسيرة” – العدد 1726
بلاّ المعركة والضمير
15 نوّار 1977 ـ 15 نوّار 2022
إنَّها كما دائمًا معركة الهجوم على رموز الجغرافيا للثأر الدفين من مفاخر التاريخ منذ قاد الأمير سمعان القورشيّ المواكب الثانية للخارجين على القانون الوحيد المرعيِّ الأجراء «من يأكل من خبز السلطان يضربُ بسيفه» عابرًا وإيّاهم ممرّات شهداء دير وادي العاصي مُحوربين محتفلين بعيد خميس صعودهم من حضيض المربّعات الذميّة ووجوههم وأفئدتُهم تتّجهُ كخطوط النور صوب شواهق القمم بين جبّة بشراي وبقوفا وإهدن حيث أنبأهم الكتاب المقدس بأنَّ أسفارَه لم تذكرُ أسماءَ أوطانٍ إلاَّ أسم لبنان!
حريّةُ النفوس واستقلال العقول هما الوباء الأخطر على سلاطين ممالك الشرق الظلامية، لا يُبرئهم منه إلاَّ حدُّ السّيف والغزو والمجازر، ولذلك أقدم السفّاحُ المملوكيُّ قلاوون على تركيب وتجهيز جيشٍ من جحافل مملوكيّة وحشيّةٍ للإغارةِ على مملكة سمعان القورشي من إهدن إلى جبة بشراي لهدم مكانِها وكَسرِ مكانتها. فزحفت جحافله كغربان البَين نحو المعقل الجبلي الشمالي القاديشي لإعدام الجغرافيا واعتقال التاريخ وسَوقِه إلى أسواق النخاسة والرقِّ والعبودية التي لا يملك غيرهم الذين أعلنوا أنهم ظلُّ الله على الأرض!
نوّار 1283 كانت المواجهة الفصلُ عند جبهة سيدة حصن إهدن حيث قاد رجال المقاومة اللبنانية قيدوم أنطاكيا وثائر كنيسة الشرق والغرب البطريرك القائد دانيال بطرس الحدشيتي الذي اعتبر المماليك بأنّ أسرَه أهم من إفتتاح قلعة لكنَّ الحدشيتي قاتل مع رجال المقاومة اللبنانية قِتالَ راعٍ يبذلُ ذاته عن رعيته، وقتال نبيٍّ من أنبياء سِفر التكوين اللبنانيّ فصمد ورجالُه الأشداء أربعين نهارًا وأربعين ليلاً حتى أُمسِكَ بالحيلة وظفر بغبطة الشهادة وعمّت مجازر الضواري من إهدن إلى عاصي سيدة حوقا وعاصي حدث الجبة حيثُ دماءُ مئات الشهداء سُفِكت بذات ثمن فضة الإسخريوطي التي قبضها إبن الصبحا خلعةً وعمامةً وركوبَ خيلٍ لقاء خيانته لأهله وشعبِه.
خرِبت البيوت والأرزاق ولكن مغاور تلك الجبال والأودية كانت حصنًا إضافيًا لمقاومين يخرجون منها ليلاً ليُغيروا على المحتل الغريب ويُنزلوا به الرعب والموت من يومٍ إلى يوم وشهر إلى شهر وسنة إلى سنة حتى لم يبقَ لديه حل إلا الهروب المُذِلّ وعودة أبناء الأرض وأهل الدار !
عودة التاريخ الى الجغرافيا
جبّة بشراي كانت مرّة أُخرى محطّ العين الحمراء لقلاوون آخر إشتهرَ بتمثيل دور مُشعلِ النار والأطفائي معًا. غزى بلاد الأرز إنطلاقًا من خطاب 20 تموز 1976 فوق مدارج ملعب دمشق الدولي وملاعب رؤساء دول تُسمّى بالعُظمى وتتاجرُ بلحم ودم وعظام أيّ وطن مغلوبٍ على أمره !
خريف 1976 دخل الأسد لبنان دخولاً رسميًا فانتشر ردعه في معظم المناطق اللبنانية إلا التي وضعت لها تل أبيب الخطوط الحمراء.. وإلاّ جبة بشراي جبة جبل أرز الرب وجبّة وادي القديسين وجبة بطريرك المقاومة اللبنانية دانيال الحدشيتي !
10 نوار 1977 كان اليوم الأول لجسِّ نبض بشراي وجُبَّتها وقياس مدى عنادها واختبار صدق حكايات شدة بأس أهلها، فحاولت دورية سورية متَّكلةً على هيبة أسدها لدخول العرين البشراوي دخولاً إستفزازيًا لعبور طول طريق دورة قاديشا حتى حدث الجبة نزولاً إلى بلدة طورزا، ولم يكن في حسبانها أن يردعها ويُطوقَّها فتيان بشراويون تقدح عيونهم صواعق يتقدَّمهم مقدامُهم «الشيف سمير جعجع» !
سمير الكافر إبن عم خليل الكافر وسمير المجنون إبن خالة يوحنا المجنون كان المُتعبُ الدائم لعشيرته وحزبيته قبل أن يكون مُتعبَ سلطات الإحتلال، كفرُه أنزل الويل بمعابد الزعامات الوثنية مُسقطًا أصنامها وجنونُه ألهمَ «المُتعقِّلين» للثورة معه على عقيدة «العين لا تُقاومُ المخرز « فاقتلع وإياهم كثيرًا من الأبواب العالية وفقأ ألقابًا موروثةً من متحف الألقاب العثمانية !
الرئيس الأعلى الشيخ بيار الجميل يتصل بالشيف سمير «المُشاغب» طالبًا منه بحزم عدم التعرّض للدورية الردعية وإثارة مشكل مع دمشق، وقد هالَ الشيخ الأعلى أن يرفض إبن الرقيب فريد ملحم جعجع أمر الطاعة ويتشبّث بعنادٍ كعناد شير قاديشا وبإصرار على منع المحتل من عبور أرض وادي القديسين، وبعد طول أخذ ورد عبرت مجنزرة الدورية الأسدية مدينة بشراي وخط قاديشا إنما جنودُها المرعوبون جلسوا داخل مجنزرتهم والفتيان البشراويين رفاق الشيف سمير يرقصون ويهزجون فوق برجها وبأيديهم أعلام المقاومة اللبنانية !
حافظ الأسد الذي يُعتبر جيشه من أقوى جيوش العرب، هزه خبر مرور جنوده في بشري مرورًا مُذِلاً فأخذ قراره الاستراتيجي باقتحام وإسقاط واحتلال منطقةٍ من أهم مناطق العصيان التاريخي على أباطرة القضاء والقدر !
ليل 15 نوار 1977 إنطلقت من معرض رشيد كرامي الدولي قافلةٌ عسكريّةٌ سوريةً بجحافل أشبه بتلك التي جرّها قلاوون المملوكي نوار 1283 تضم 150 آلية مجنزرة بينها 48 دبابة سوفياتية وعشرات المدافع وراجمات الصواريخ لإسقاط عنوان عناوين بلاد الأرز وثورة الأرز .
عبورًا بمنطقة الكورة وصولاً إلى مفرق بلدة طورزا صعودًا نحو عبدين ومشارف بلاّ حيث كمائن المقاومين أنزلت بالغُزاة أفدح خسائر حوّلت الأجساد إلى جثث والمركبات العسكرية إلى قِطعِ كسر بما تيسّر لها من أسلحة فردية وقذائف صاروخية وآلياتٍ أمّنتها فرقة الـ»أس كا أس» الكتائبية .
عشرات من الجنود السوريين يهربون نزولاً في الأحراج وقوة الهجوم الرئيسية تتصدّع مما دفع بالقيادة السورية إلى أخذِ قرار مسح عار الهزيمة حتى لو أشركت نصف جيشها في احتلال ضيعة في جبال قاديشا !
الخوري الياس الشويفاتي كاهن رعية كان المطلوب الرئيس لقائد ألوية الهجوم بأمرٍ صريحٍ واضح: «هال… بتكمشوه وبتجرّوه من لحيتو».
عند مدخل درج بيت الخوري الياس وقعت المواجهة الأقسى، فصمد الكاهن الشويفاتي تعضدُه بسالةُ ورجولة شامل العنداري وسابا العنداري ودم الشهادة العندارية يعتق راعي الرعية من الوقوع بين مخالب وأنياب الوحوش ليكون شامل العنداري أوّل من يظفر بتاج مقاومة الإحتلال السوري الرسمي للبنان !
صبيحة الأحد 15 نوار وصل المفوّض العام للقوى النظامية في إقليم الجبة بشري الكتائبي الشيف سمير جعجع على رأس نخبةٍ من رفاقه حيث ركّزوا خط الدفاع الثاني والثابت من مشارف حدث الجبة وبلدات قنيور وبيت منذر معتمدين حرب الكمائن ومباغتة العدو بضربات لا يعرف مصدرها ولا ساعة وقوعها حربًا لا يملك وسيلةً غيرها مئة مقاوم لبناني يجابه ويواجه نحو ثلاثة الآلاف من عساكر لا تتقيد بأخلاق الحرب ولا تتورع عن إرتكاب أشنع المجازر. وبعد نضوب الذخيرة واستبسالٍ شبه أسطوري تمّ النصر الأسدي المُعيب فكانت بلدة بلاّ الوادعة الآمنة الشهيدة بديلة النصر في الجولان!
شهداء في ذاكرة المجد
عند مشارف حدث الجبة وقنيور وبيت منذر وديرونا تثبّت بوابة جبة بشراي كالحَرم المقدس الممنوع الدخول إليه والتمعت كنجوم جبل الأرز ووادي القديسن أسماء طوني وردان وجميل طوق وإليانور فضول وعسّاف رحمة وطوني نعمة ويوسف سكر ومايكل بدوي وبشارة الصّفا وجوزيف لابا وأنطوان سكر وكثيرون كثيرون تعتذر الذاكرة من إستحضار أسمائهم المؤبّدة في ذاكرة تلك الأرض ووجدانها!
شامل العنداري. إميل العنداري . لوسيا العنداري. كابي كيرو . إدمون سكر. إيلي سكر. جوزيف فرح. جوزيف الطويل. نبيل السمعاني بعد أنضمامهم إلى ربوات شهداء المقاومة اللبنانية أعلنوا لوالي قصر المُهاجرين بأنّ إنتهاكه لقدس أرض لبنان سيُكلِّفه أفدح الأثمان !!
15 نوّار 2022 جبة بشري وجميع مناطق سيادة وحرية لبنان ستكون بلاّ ثانية ومتجددة لهجوم بالغ الضراوة إنطلاقًا من جبهة تحترف «النصر الإلهي» تمتد من طهران إلى دمشق إلى حارة حريك وسائر الضاحية الشموس إلى ملاحقهم الصغار ترسانتُها موضوعةٌ بتصرّف من يتمكن جسديًا ووطنيًا وسياسيًا من قطع رأس رجلٍ واحد وحيد إسمه سمير جعجع أو سمير «الكافر» بالإستسلام أو سمير المجنون بالإقتداء بدانيال الحدشيتي وجبرائيل حجولا !
مماليك 2022 إكتسبوا خبرةً تاريخية تجريبيّةً مضمونةً من مماليك 1283 وإنَّهم اليوم بصدد البحث الدؤوب داخل كل منطقةٍ لبنانيّة إنتخابيّة عن «إبن صبحا» يُلوِّحون له بخُلعةِ صاحبِ سعادةٍ ونمرةٍ زرقاء بلقاء !
739 سنة لم ينسى شعب وديعة الإيمان بلبنان الأزلي إبن صبحا 1283 من سيتقدم مجدّدًا للفوز بلقب إبن صبحا 2022؟؟!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]