كل ما عرفته حتى الآن عن نروج جميل ومسالم ومرح. فقد سنحت لي الفرصة، من خلال عملي، لأتعلّم الكثير عن ذلك البلد الاسكندينافي، وخصوصاً بفضل التقارير المنتظمة التي يُعدّها صحافيون لامعون في القنوات المحلّية.
تحوّلت أنظار العالم نحو نروج عام 1993 عند توقيع اتفاق أوسلو الشهير بين الفلسطينيين والإسرائيليين والذي أدى إلى المصافحة التاريخية بين رابين وعرفات في حديقة البيت الأبيض. في أوسلو تُوزَّع جائزة نوبل للسلام، والصورة التي انطبعت عن البلاد في أذهان كثر بعد اتفاق أوسلو هي أنها أرض صنع السلام والأمل في مستقبل أفضل.
مساء الجمعة الماضي، اخترق هدوء الحياة في نروج دوي انفجار سيارة مفخّخة في العاصمة أوسلو ليعقبه إطلاق نار دموي في مخيّم للشباب في جزيرة قبالة المدينة. وسرعان ما أوقِف الرجل الوحيد المشتبه فيه في الهجومَين. أنديرس بيرينغ بريفيك هو نروجي عادي ذو أيديولوجيا مسيحية أصولية ودوافع سياسية مشبوهة. إنه مسؤول عن مقتل نحو 100 شخص معظمهم من المراهقين. وقد علمنا من محاميه أن بريفيك يرى أن ما قام به "ضروري" وأنه "سيشرح دوافعه" اليوم.
سواء وصف بالإرهابي الأبيض أم بالإرهابي المسيحي أم بالإرهابي النروجي، فهو أصولي أراد أن يأخذ زمام الأمور بيدَيه، فزرع الرعب لدى أبناء بلده وحرمهم براءتهم والسلام الذي ينعمون به. لقد تسبّب بألم كبير جداً للأفراد والعائلات ولأمّة بكاملها، وسوف يحتاج النروجيون إلى وقت طويل ليصحوا من صدمة المأساة وتبدأ عملية التعافي.
المشكلة هي أن أمثال بريفيك موجودون من حولنا في كل بلد. فماذا عسانا نفعل الآن؟ هل نشكّ في كل شاب أشقر ذي عينَين زرقاوين نصادفه في حياتنا؟ هل نشتبه في كل من يعبّر عن آراء متشدّدة جداً حيال الدولة أو سيادة القانون؟ في عالمنا حيث سيطر الإعلام الغربي على عقول الناس وجعلهم يربطون الإرهاب بالأصولية الإسلامية، كيف سنتعامل مع هذا الواقع الذي ليس جديداً تماماً؟
تبنّت مجموعة جهادية مجهولة المسؤولية عن الهجومَين فور حصولهما. وقد أضفى عدد كبير من وسائل الإعلام الغربية، ولا سيما منها الأميركية، صدقية لهذا الزعم في البداية. ثم عندما تبيّن أنه إرهاب محلي المنشأ على غرار التفجير في مدينة أوكلاهوما سيتي عام 1995 الذي نفّذه إرهابي أبيض يدعى تيموثي ماكفي، حصل تحوّل في الموقف وبدأت محاولات فهم "الخلل الذي حصل" في المجتمع. كنّا لنتفهّم لو صدر مثل هذا الموقف عن النروجيين لأنهم تأثّروا مباشرة بما جرى. عندما يتعرّض الناس لهجوم من شخص من الخارج، يحاولون أن يتصدّوا ويقاوموا. ولكن عندما يهاجمهم شخص من الداخل، يجدون صعوبة أكبر بكثير في استيعاب الحقيقة والتعامل معها، ولذلك يبحثون عن أجوبة. إلا أنه يقع على عاتق الإعلام العالمي البحث عن الحقيقة أياً كانت الجهة التي تقف خلف الهجوم. ويبدو أن الطريق طويل أمامنا قبل بلوغ تلك المرحلة ومعرفة حقيقة ما جرى.
تسارع غالبية وسائل الإعلام الغربية إلى التنديد وإطلاق الأحكام المسبقة عندما يكون الإرهاب الإسلامي متورّطاً. لكنها تتوخّى مزيداً من الحذر عندما يُرتكَب الإرهاب على أيدي أبناء البلد الذين لا تنطبق عليهم صورة الإرهابي كما رسمها ذلك الإعلام، والتي تُلصِق الإرهاب بالعرب أو المسلمين أو السود الذين يحملون اسماً ذا طابع مسلم أو عربي.
تذكّرنا نروج بحقيقة يجب ألا ننساها إطلاقاً. الإرهاب هو نفسه سواء نفّذه شخص أسود الشعر ذو عينَين بنّيتين داكنتين أم شخص أشقر الشعر ذو عينين زرقاوين. عندما يرتدي الإرهاب وجهاً أبيض وشعراً أشقر وعينَين زرقاوين، يجب ألا نتوقّف ونفكّر في ما حصل للمجتمع. بل علينا أن نستنكر العمل ونعامل المشتبه فيه انطلاقاً من النظرة نفسها الني نتعامل بها مع الإرهابي الأجنبي، ومن دون أي اختلاف على الإطلاق. يبدو أن هذا ما تفعله نروج في ظل الاتّزان الذي يتمتّع به رئيس وزرائها ينس ستولتنبرغ الذي قال: "سننتقم بواسطة مزيد من الديموقراطية". وقال أيضاً قبل توقيف المشتبه فيه وفي عزّ التكهّنات: "لن ينجح أحد في إسكاتنا بزرع المتفجّرات".
من يعرف نروج يدرك أن كلام رئيس الوزراء يضع الإرهاب الداخلي والإرهاب الأجنبي على قدم المساواة.