طعم الجرذان!
انه الحسد. أجل ولم لا .
أحسد نفسي كل يوم لاني أنام في سريري النظيف، وأطبق عيني على نجوم السماء وأفتحها على نور الصباح.
انها نعمة الحياة.
أحسد نفسي عندما تنهال فوق عطشي مياه عذبة، وعندما أجلس الى المائدة اتناول ما أحب من الطعام.
أحسد حالي عندما البس ثيابا حلوة كل صبيحة أحد لأذهب الى الكنيسة وأصلي وأصافح وأتحادث وأتجادل مع الاقارب والاصحاب في ساحة الكنيسة.
أحسد نفسي على تفاصيل الحياة الصغيرة الممتعة، ولاني أرتشف الحياة جرعة جرعة حتى اخر نقطة، قبل ان تصل الرشفة الاخيرة …..
وعندما يمر جرذ من أمامي أو صرصور ابدأ بالصراخ وألعن حياتي!!
هذا الجرذ وتلك الصراصير، حية او ميتة، هي جزء من قوت المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية .
نحن نتمتع بالحياة وهم يلفظونها، منذ أعوام وأعوام، على البطىء، نقطة نقطة وما من مجيب.
هنا أخجل من نفسي ومن حياتي ايضا.
كم تصبح تفاصيل الحياة سخيفة امام تلك الوجوه الغائبة المموهة.
ما عادت المخيلة تكفي لتتذكر تفاصيلهم المنحوتة في الصور العتيقة.
صار الخيال صخرا متجمدا في مفكرة ليالي المهات والاباء الصعبة. ليالي الانتظار واللوعة.
لا نعرف اذا كان يجب ان نرثيهم ام نبكيهم ام ننتظرهم فقط .
لا شيء. لا سياسة لا احزاب لا نضال لا قضايا … كل شيىء سخيف امامهم .
اي ذل اقوى بعد، اي ألم هو هذا؟
ليس المطلوب سوى معرفة مصيرهم والعودة، احياء او أشلاء، المهم ان يعودوا.
احياء، نحضنهم. اشلاء، ندفنهم بكرامة وننفض عنهم بصمات سجان سوري حاقد.
اين انتم؟ ماذا تفعلون؟ ماذا يفعلون بكم؟
أحسد الاسرى العائدين. مبروك عليهم الحرية، الكرامة. يستحقونها
هؤلاء لم يأكلوا الجرذان الحية ولا الجيف. هؤلاء كنا نعرف مكانهم. كان الصليب الاحمر صلتهم الى الحياة مع اهاليهم
هؤلاء كانوا في سجن العدو، أشد الاعداء ايلاما بحسب المفكرة العربية واللبنانية. أسرانا في سجن أشد "الاشقاء" ايلاما، بحسب التفاصيل اللبنانية على مدار ثلاثين عاما.
أينهم؟
كنا – كنا – توهمنا ان كل شيء عاد الى اصوله. الاسرى الى الضوء، الشهداء الى التراب التي يستحقون ان يحضنوا فيها . لكن، ها هو الاسير المحرر سمير القنطار يعدنا من جديد ان لا شيىء انتهى وان الحرب قائمة الى ما بعد بعد شبعا ويشكر سوريا على "تحرير" الجبل !!!
وها هو السيد حسن نصرالله يؤكد لنا – بعدما جاءه اتصال هاتفي من رب العالمين – ان النضال مفروض علينا من فوق ولا خيار امامنا سوى الاستسلام لارادة الله !!
وماذا بعد ؟ لماذ لا يعترف الامين العام الذي طوى اخر صفحاته في ملف " اسراه" , لماذا لا يعترف هو وصحبه وخصوصا رفيق دربه " المناضل" ميشال عون بما تفعله سوريا بأسرانا؟
لماذا يتجاهلون وجودهم وكأنهم الطاعون؟؟
كلكم مجرمون اذا ما أمعنتم في التكتم.
لا يهم صراخ السيد ولا أصطناع الوهرة من النائب الحليف.
أنتم ارقام في معادلة السياسة والحياة ايضا.
لكن هناك، في الاقبية السورية مئات المعتقلين اللبنانيين يدورون مع عقارب الساعة فوق عجلة التعذيب. والعذاب كل العذاب انهم عندما يخرجون- اذا خرج احدهم- يخرجون مطأطأي الرؤوس، لا استقبالا شعبيا ينتظرهم، ولا هم يخرجون هؤلاء الابطال !!!
اي تفصيل بعد أقسى من هذا؟