#adsense

المنطقة تدخل “مساراً سياسياً” لم يلفظ بعد كلمته الحاسمة لصالح الانفراج

حجم الخط

المنطقة تدخل "مساراً سياسياً" لم يلفظ بعد كلمته الحاسمة لصالح الانفراج
المصالحة الاسلامية الاسلامية ترسم خارطة طريقها

أجواء واعدة بالخير عاشتها البلاد من رأس الناقورة إلى مطار رفيق الحريري الدولي، ومن ملعب الراية إلى بلدة عبيه. مع ذلك لم نصل بعد إلى حيث ينقلب "توازن الرّعب" الداخلي، الذي إن اختل زاد رعباً، إلى "توازن للرجاء" قادر على أن يتحكّم بالظرف وليس أن يتحكّم الظرف به، ويمهّد لشبكة مصارحات ومصالحات، وبخارطة طريق لمشروع الدولة المقرّرة والجامعة التي يمكنها وحدها معالجة حالة "الرّعب الصميم" الذي يسكن كل جماعة في لبنان حيال حجم ووزن وعلاقات و"طموحات" الجماعة الأخرى.

وقت للاصطياف

أياً يكن من شيء يمكن "التبشير" بموسم اصطياف عامر كانت لحقت به سنوات عجاف، بسبب الإغتيالات المتسلسلة والتفجيرات المتنقلة منذ 2005، وبسبب "حرب تموز" و"الإعتصام الدائم" عام 2006، وبسبب معركة نهر البارد والتفجيرات المرتبطة بها عام 2007. كما أن هذا الموسم بدا أبعد من المتوقع في شباط المنصرم يوم قرعت طبول الحرب على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية إثر الإغتيال الغامض لعماد مغنية في العاصمة السورية، وتوعّد "حزب الله" بالثأر المفتوح. وبدا أن الإصطياف صار مجرّد ذكرى يوم غزوة أيار، حين ظهر أن الفتنة المذهبية المنحسرة إلى حد كبير في العراق قد طابت لها الإقامة في ربوع لبنان والتبختر في أزقة بيروت، بحيث يُدفع التناقض إلى أقصاه بين مشروعي "المقاومة" و"الإعمار"، وهو تناقض موضوعي في تعريفه، وملتبس مذهبياً فوق ذلك. بدا أن الدفع بهذا التناقض إلى أقصاه لا رجعة فيه، ولا رادّ له، بحيث يُجهز مشروع "المقاومة" على مشروع "الإعمار"، فلا يعود ثمة ما يستأهل إعادة الإعمار ولا تعود المقاومة مقاومة، ولا نطال "هونغ كونغ" ولا "هانوي".

وحتى بعد "صلح الدوحة"، وانتخاب الرئيس التوافقي، بدت البلاد أبعد ما تكون عن تأمين مستلزمات "موسم الإصطياف"، من عودة التوتر مجدّداً إلى خطوط التماس المذهبية الطارئة على بيروت، إلى اشتباكات البقاع وطرابلس، وبالتوازي مع تعقيدات ولادة حكومة العهد الأولى. فهل يمكن الإطمئنان بعد ذلك إلى سرعة، بل فجائية، الإنتقال من وصف بيروت بـ"المدينة المنكوبة" في أيار، إلى وصفها بـ"المدينة الكسيحة" في حزيران، إلى وصفها بـ"المدينة الآيلة للشفاء والتعافي" في تموز؟.

القدرة على التكيّف

إنه إيقاع غاية في التقلّب. لا شكّ في ذلك. الأكثر قدرة على النظر وعلى الفعل هو الأكثر قدرة على "التكيّف" مع هذا التقلّب، بل مع حيوية التقلّب بحد ذاتها، ذلك أن الأمور ما زالت بعيدة من أن تستقرّ عند مشهد سياسي بعينه، سواء على الصعيد الداخلي أو على صعيد المنطقة. وما يحدث حتى الآن في لبنان هو أن ثمة مساحة متنامية من التلاقي بين قلقين. قلق الفريق الموالي لسوريا وإيران على مستقبل موالاته لسوريا وإيران. هذا القلق لا يرقى إلى مرتبة "الخوف على الرأس" لدى الجميع، إنما هو في أعمّه الغالب يحفّز تطوير الإستعدادات الخطابية والعملية للـ"تواشج" مع عجلة المسار السياسي أو الديبلوماسي سورياً وإيرانياً، وبكل ما يختزنه ذلك من احتمالات، ما بين أن تسير إحدى الدولتين في خط الإنفراج السياسي مع الغرب دون الأخرى، وما بين أن تسيران سوية أو كل على حدة في هذا الإتجاه.

في الحالتين السورية كما الإيرانية يعدّ "حزب الله" محطة تزويد أساسية بالوقود التي تستخدم لتقوية مواقع كلا البلدين في الأشكال المتعددة للـ"التفاوض" مع الغرب، ولتقوية أولوية "التفاوض" مع الغرب على أولوية "الإصطدام" به. يتكثّف الإعتماد على هذه المحطة، مع أن القائمين المحليين على تشغيلها قد جُعلوا تقليدياً في وضعية "الإصطدام" بالغرب، وقادتهم هذه الوضعية تدريجياً إلى "الإصطدام" بالداخل اللبناني.
المفارقة الثانية أن كثافة الإعتماد "السياسي" الإيراني أو السوري على ترسانة وقدرات "حزب الله" والهالة المرسومة من حوله تتمّ في ظروف تتراجع فيها محورية "الصراع العربي الإسرائيلي" في المنطقة.

لقد احتدم السجال في الآونة الأخيرة بين مدرسة "الإعتدال" التي ترى أنه كلما كانت الملفات موضع النزاع مع إسرائيل تقفل تباعاً فإن أسهم التسوية تتعزّز، وبين مدرسة "الممانعة" التي ترى أنه كلما كانت الملفات تقفل تباعاً كلما كانت "ثقافة المقاومة" تثبت أهليتها وراهنيتها ومستقبليتها، وكلما كان ينبغي الإنتقال من إستراتيجية التسوية مع إسرائيل إلى استراتيجية "إسقاط النظام الصهيوني" كما جاء في أربعين عماد مغنية.

باب الخروج من متاهات هذا السجال هو وعي تراجع محورية "الصراع العربي الإسرائيلي" نفسه، وإختلاطه بغيره من النزاعات ومن العمليات السياسية على صعيد المنطقة. فكلما كانت اسرائيل في بداية القرن الحادي والعشرين تكشف عن اختلافها عن اسرائيل الحروب السهلة والكاسحة ضد العرب، كلما كانت محورية "الصراع العربي الإسرائيلي" آخذة في الإنحسار، وقد بدأت مسيرة إنحساره بشكل أساسي يوم خرجت مصر منه، وانتهت حقبة "الحروب النظامية" لصالح "حروب المنظمات".

حسابات نووية

صحيح أن إيران الإسلامية لعبت دوراً أساسياً في إعادة شحن "الصراع العربي الإسرائيلي" في مرحلة ما بعد كامب ديفيد، وبشكل أكبر ما بعد "عاصفة الصحراء" و"ما بعد مدريد" و"ما بعد أوسلو"، وبشكل أكبر وأكبر "ما بعد عرفات"، إلا أن إعادة الشحن تسحب "الحِل والرّبط" في أمر هذا الصراع من العرب بشكل نهائي، فبوابة تقرير ما إذا كانت منطقة الشرق الأوسط ستجنح نحو مناخات التهدئة أو نحو أجواء التسخين، ونحو الحرب أو نحو السلم، لم تعد هي بوابة المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية ولا أيضاً المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، ولم تعد في أعقاب حرب تموز وصولاً إلى صفقة الأسرى بوابة الجنوب اللبناني. صارت بوابة السلم أو الحرب في المنطقة هي بوابة تسهيل إيران أمر المعاهدة الإستراتيجية العراقية ـ الأميركية، وبوابة التفاهم أو عدمه حول الحدود التي يفترض بالبرنامج النووي الإيراني ملازمتها.

وليس يمكن التقرير ما إذا كانت البوابتان المتلازمتان ستسلكان بإتجاه التصادم أو بإتجاه الإنفراج. فالأمر لا يعتمد على الأهواء والأمزجة. ضرب إيران دونه صعوبات جمّة، وكذلك تحقيق الإنفراج معها دونه عقبات وعقبات. صحيح أن الإنفتاح على المعاهدة العراقية ـ الأميركية هو بوابة إيران لإثبات "سلمية" برنامجها النووي، لكن تصور التيار الأكثر جموحاً في طهران أن بإمكانه تحقيق مقايضة العصر في هذا المجال، بما يتيح انتاج القنبلة الذرية هو أمر سيدخل المنطقة كلها في المجهول.

والبرنامج النووي الإيراني لم يصل بعد إلى الدرجة التي تخيف الغرب، بل ما زال الغرب قادراً على ممارسة الضغط على ساعة هذا البرنامج، فضلاً عن تحسّسه للضغط الداخلي الذي يمارسه النقاش الجدي في الجسم السياسي والأمني الإيراني حول ضرورة المواءمة بين المشروع النووي وبين ضرورة تجنّب أي نزاع مسلّح يجلب الدمار في كل الأحوال. مثل هذا الوضع يتيح مجالاً من الأخذ والرّد في إطار الدفع قدماً بكل الإحتمالات الديبلوماسية. إنما ثمة ثابتة لا يمكن للغرب أن يحيد عنها: لا يمكن استخدام "العنف الوقائي" كيفما كان ضد دولة بحجم إيران ودهائها، إنما لا يمكن التسامح مع امتلاك إيران للقنبلة النووية من طريق الديبلوماسية.

مستويات الحوار

تثمر هذه الحسابات انفراجاً داخلياً في لبنان، ومن الخطأ إظهار أي شبهة تشاؤم حيال هذا الإنفراج. فالحاجة إلى مقابلة كل إيجابية بأفضل منها، مع التنبه دائماً إلى أي سلبية مضمرة، والحرص، لا سيما في إطار الحركة الإستقلالية المؤتمنة على مرتكزات ومكتسبات ثورة الأرز، على أن لا يعود مقابلة إيجابية بأخرى بالضرر لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون لأي ركن في هذه الحركة.

يمكن أن تنعقد مجدداً طاولة للحوار الوطني. وفي ظروف أكثر تشجيعاً من العام 2006. وهنا أيضاً لا يمكن لطرف أن يحاور بسلاحه، كما ينبغي أن يقابله الطرف الآخر بالتمييز بين ضمانات يطلبها لعدم استخدام السلاح مجدّداً في الداخل، ولسحب كل وضعية "تشهره" في هذا الإتجاه، وبين ضمانات لعدم استخدام السلاح مجدّداً في نزاعات لا تظهر فيها مصلحة لبنان بشكل واضح وجلي ومباشر، ولا تكون الحكومة اللبنانية مستأذنة أو مستشارة، وبين ضمانات متبادلة لحماية المقاومين، إذ ليس مطلوباً لا أن يكشف المقاومون أمنياً بعد عودتهم إلى الجبهة، ولا أن يفتحوا "جبهات" للتعويض عن إقفال جبهة القتال الأساسية.

بيد أن تثمير هذا الحوار، سيتطلب اجراء مصالحة إسلامية إسلامية ومسيحية مسيحية. إذ لا يمكن لتيار من مذهب إسلامي أن يتحالف مع فريق سياسي مسيحي ضد مذهب إسلامي آخر متحالف مع فريق سياسي مسيحي آخر، ثم يقال بعد ذلك أننا أمام مشهد "وحدة وطنية". والأمر يطرح نفسه بصورة أكثر حساسية: لأنه اذا تغلب "التشيّع" بالقوة على "التسنّن" سيكتشف سريعاً أنه أخذ يفتقد معالم شخصيته المكوّنة والمستندة إلى تراث المظلومية التاريخية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل