لا يسع اللبنانيون في مجملهم، إلا انتظار مآل الوضع السوري.. ليس في يد الكثيرين منهم إلا ذلك، طالما ان التأثيرات الجانبية عليهم قائمة في كل الحالات، بل كانت على فترات زمنية طويلة، المؤثر الأول في كل ما يخصّهم ويخصّ كيانهم ونظامهم.
والانتظار لا يخصّ إلا المتفرجين. وهؤلاء، أي اللبنانيون الباحثون عن استقرار ما في وطنهم وحياتهم، يفترضون اليوم ان التفرج عن بعد يكفي، طالما ان النتيجة الحتمية الوحيدة الواضحة حتى اللحظة هي ان الأمور لن تبقى كما كانت عليه في العقود المنصرمة، أياً تكن التفاصيل التي لا تزال مركونة في عالم الغيب.
والافتراض المذكور وليد حسابات بسيطة: يستحيل بعد اليوم، أن تبقى اليد الطويلة ممدودة الى خارج حدود سوريا أياً يكن نظام الحكم فيها. ما يحصل منذ نحو أربعة أشهر كشف المستور وأعادنا الى تلك المعادلة التي كانت قائمة في دول المعسكر الاشتراكي ورأسه الاتحاد السوفياتي. نظام عسكري ـ حزبي ممتلئ بكل أسباب وأدوات السلطة، طموحاته وامتداداته الخارجية أكبر من واقعه الداخلي، وما يتضمنه ذلك الواقع من نقاط ضعف لا تتناسب مع الصورة الشاملة.
حالة تكاد تكون منسوخة عن ما سلف في تسعينيات القرن الماضي، عندما انكشف ذلك الغطاء عن المعسكر الاشتراكي، وبانت دوله القائمة على خواء مدمّر في الاقتصاد والاجتماع والسياسة، في مقابل قوة عسكرية ـ أمنية ـ تنظيمية مشهودة. في اللحظة التي انكسر فيها الحاجز مع ليخ فاونيسا وحركة "التضامن" في بولونيا، أفرزت الوقائع الفعلية للبلد والنظام نتيجة حتمية: سقوط حرّك حجارة الدومينو في الدول المشابهة ووصل الى "المركز" في موسكو مباشرة!
الوضع السوري بهذا المعنى، ليس غريباً، عن ذلك التوصيف، وإن كانت خصائصه التفصيلية تدفع الى عدم توقع نتائج سريعة.
قد يدخل تمدّد النفوذ السوري في الداخل اللبناني من ضمن تلك الخصائص. كما الحال في الداخل الفلسطيني والداخل العراقي. غير ان الأبرز على الاطلاق هو الدور المركزي المتصل بحال الجبهة العسكرية مع إسرائيل، حيث الهدوء التام سمة خالصة لم يعكر صفوها شيء على مدى 38 عاماً.. بل المفارقة ان جبهة الجولان لم تشهد أي حوادث أمنية، على عكس الحال مع حدود الدولتين الموقعتين على اتفاقات سلام مع إسرائيل أي مصر والأردن!
هل "تعوّض" تلك الخصائص استحقاقات الداخل ومتطلباته الكثيرة؟ وهل يمكن النظام تلبية تلك المتطلبات من دون أن يعني ذلك هزّ أركانه بيديه؟ وهل هناك قدرة بعد الآن، على تقديم أي توليفة تسمح بإعادة الأمور الى الوراء؟ ما سلف من وقائع على مدى الشهور الماضية يقدم جواباً سلبياً حكماً.
لكن، بانتظار الجواب النهائي الحاسم، يبقى اللافت هو ان النظام السوري يُكثر من استخدام أصوات لبنانية للدفاع عن منطقه وسياسته الداخلية، وذلك ربما، يدل على قناعة لديه، بأن تأثيره في الداخل اللبناني يوازي تأثير تلك الأصوات في الداخل السوري!
أمرٌ غريب، ويدلّ في أحد جوانبه، على عقم في الأداء والأحكام، تُدفع الآن أثمانه الباهظة!