كتبت هيام القصيفي في صحيفة "النهار": لا تزال أروقة قوى 14 آذار وتيار "المستقبل"، نواباً ومستشارين ووزراء سابقين، يتداولون سؤالا بديهياً: هل يعود الرئيس سعد الحريري الى لبنان او لا يعود؟
الذين التقوه في باريس أخيراً جزموا بعودته مع بداية شهر رمضان، ثم في الاسبوع الاول منه، لكنهم اليوم باتوا حذرين في استخدام التعابير المؤكدة للعودة، من دون الذهاب الى نفيها في المطلق، ويتركون الجواب مبهماً الى أن تدق ساعة الصفر فتهبط الطائرة الخاصة فجأة، او تبقى العودة مؤجلة الى حين يصبح القرار معلقا على خيوط اقليمية ودولية متشابكة.
والعودة الى بيروت لا تزال مرتبطة بالجدل القائم حول اسباب المغادرة أصلاً، في وقت تبقى الحوارات ضرورية كنقد ذاتي بصوت عال وبعقل منفتح، في دوائر القرار المصغرة حول الحريري والمقربين منه في بيروت، والاتصالات القائمة بينهم وبينه في فرنسا. فالأسباب الامنية مقنعة ولا سيما لجهة الانتقال من مطار بيروت الى "بيت الوسط"، كمرحلة اولى، ناهيك عن الخطورة الامنية المتعددة الاتجاه. لكن ثمة من يسأل في الاوساط الحريرية والأكثرية: اليس من العبث ان يكون الحريري وحده من بين قادة 14 آذار من يغادر لبنان خوفاً على حياته، ولماذا يمارس الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله "هيمنته" على لبنان من تحت "الارض السابعة"، ولا يكون الحريري في منزله؟
أما السؤال الثاني فيتعلق بكيفية ادارة الازمة على مستوى 14 آذار قادة وجمهوراً، والبلد كله، بلقاء تلفزيوني يتيم، في حين ان اداة التواصل عالميا صارت عبر شاشات التلفزة، واطلالات نصر الله للتواصل مع جمهوره المحتشد بالمئات والألوف، نموذج حي عن اهمية التواصل الجماهيري، الضروري والمطلوب للحفاظ على عصب الناس وابقاء حركتهم قائمة.
اما في التبريرات السياسية التي اعطيت لفترة الغياب الطويلة، ولا سيما بالنسبة الى الوضع السوري، والتدرج في استخدام المفردات التي تناولت احداث سوريا، فهي أدت غرضها في المرحلة التي كانت دمشق تتهم "المستقبل" بالتورط في حيثيات الانتفاضة السورية. ولكن مع تطور الوضع السوري وجنوحه نحو ما هو اكبر من تظاهرة الى منحى اشد خطورة يرخي بثقله على المنطقة كلها، وانكفاء الحديث عن تورط "المستقبل" ليتجه نحو تورط "حزب الله" في قمع المعارضين السوريين، لم يعد مسموحاً الابتعاد في شكل مطلق عن تناول التطورات السورية من قريب او بعيد. فالشعب السوري يتظاهر ويموت من أجل قيم الحرية والعدالة والديموقراطية وحرية الانتخاب، وقضية سوريا تمس قضية "الامة العربية" برمتها، فهل تبقى صدقية "المستقبل" "العقائدية" قائمة، وبعض اركانه ومنهم الرئيس فؤاد السنيورة مثلا من غلاة القوميين العرب، يقفون متفرجين على ما يجري في سوريا؟
واستطراداً، اذا كان الغياب عن لبنان مبرراً تحت وطأة المتغيرات السورية باعتبارها فترة انتقالية لمراقبة الوضع السوري وتطوراته وتفاعل القرار الاتهامي، فالى أي مدى يمكن الفترة الانتقالية ان تطول؟ وبما ان الوضع السوري مرشح للالتهاب شهراً بعد آخر، ولا تعرف تماماً آفاقه، ألا تصبح كلفة الغياب أكثر خطورة من الحضور المحفوف بالمخاطر؟
بين الغياب واحتمالات العودة اي خريطة طريق، وبماذا يمكن الحريري ان يخاطب جمهوره بعد غياب سياسي وجسدي عن الساحة؟
يعترف المقربون من الحريري بأن خريطة الطريق بالمعنى الدقيق تبدو حالياً صعبة ومربكة لاسباب موضوعية ومتعددة. فالقضية المركزية التي بنى عليها "المستقبل" وقوى 14 آذار حضورهما منذ عام 2006، اي هيمنة "حزب الله" وسلاحه كاحدى ادوات هذه الهيمنة، أثبتت الايام والتجارب المتلاحقة ان لا معالجة موضوعية لها، لأن السبل الحوارية الممكنة لحلها لم تثبت جدواها، وتالياً صار من الوهم اعتبار الحوار أمراً ممكناً.
أما الوهم الثاني فهو بقاء الامور على ما هي والرهان على انتخابات سنة 2013 لتغيير الأمر الواقع الحالي، ما دامت قوى 14 آذار نجحت في اختبار عام 2009، ولأسباب واخطاء متفاوتة، فشلت في ابقاء السلطة في يدها، وخصوصاً ان قوى 8 آذار باتت تمسك بمفاصل البلاد مما يعني انها ستعمل خلال الاشهر المقبلة ما في وسعها لاستثمار وجودها سياسياً وخدماتياً من أجل تثبيت اقدامها شعبيا.
أضف ان حركة الشارع اثبتت انها لا يمكن ان تؤدي الى اي نتيجة سوى التعادل السلبي في اقصى الأحوال، مع العلم ان لـ"حزب الله" السيطرة الأكثر حدة بسلاحه على الارض.
في حين ان الاتكال على المجتمع الدولي والقانون الدولي وترجمته لبنانياً المحافظة على القرار الدولي 1701 المبني على اتفاق الطائف، لم يؤد الى نتيجة فعالة، ما دام اللاعبون الكبار والرعاة الدوليون لم يدفعوا أخيراً في شكل جدي للمحافظة على لبنان في اطار وضعيته الدولية.
هذه البانوراما لتصحيح الوضع الذي وصلت اليه الامور بالنسبة الى قوى 14 آذار يقابلها تشكيل حكومة قائمة على شد عصب اركانها وتعبئة جماهيرهم سياسيا وخدماتيا. فكيف لقوى 14 آذار أن تواجه المرحلة الحكومية المقبلة؟
لا تزال النقاشات تتمحور على الخطوة التي اقدم عليها نواب 14 آذار في مغادرة مجلس النواب لحظة التصويت على الثقة بحكومة ميقاتي، وهل كان قرار المغادرة صائبا ام لا؟ ثمة من يناقش جدوى حضور جلسات المجلس واللجان النيابية ومحاورة رؤساء اللجان المحسوبين على 14 آذار وزراء قوى 8 آذار، والى اي مدى يمكن مناقشة فعلية داخل المجلس ان تؤتي ثمارها.
لكن النقاش يتشعب الى أي حد يمكن الانكفاء عن النظام ان يؤتي ثماره، والمسيحيون الذين جربوا هذا الاسلوب عام 1992 خسروا مواقعهم تدريجاً ورحل قادتهم وأدخل الآخرون السجن، فضلاً عن ان الانكفاء يعني انعكاسا لواقع الخدمات على أكثر من مستوى ويؤدي الى شد عصب جماهير 8 آذار مسيحياً واسلامياً، ومن شأن ذلك ان يتسبب باضعاف متمادٍ لوضع 14 آذار تمهيدا للانتخابات وما يسبقها.
مستوى الحوار يصبح أكثر حيوية مع طرح امكان ذهاب الحكومة الجديدة الى ممارسة الكيدية او الانتقام من شريحة الموظفين والاداريين او حتى المناطق المحسوبة على 14 آذار اذا تراجع اداء قيادييها وتزعمهم قيادة الحركة المعارضة بشراسة لمشروع الحكومة، وخصوصاً ان التقديمات التي رفضها الحريري للدخول في لعبة تقاسم السلطة والعروض السخية التي تحولت الى رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب العماد ميشال عون، او حتى لحلفاء الحزب السنّة، من شأنها تطويق قوى 14 آذار اكثر فأكثر. فهل يمكن الوقوف موقف المتفرج على سلطة تذهب ومعها كل ما بني منذ عام 2005 او حتى ما قبله؟ وهل تقدر قوى 14 آذار على ان تعرقل عمل الحكومة اقتصاديا او خدماتياً (بوجهته الصحيحة) وتساهم تلقائياً في خربطة وضع البلاد اقتصادياً، الأمر الذي يضعها في مواجهة الناس ومشروعها الاساسي لانقاذ لبنان اقتصادياً؟
كل هذه النقاشات تدور عشية احتمالات عودة الحريري وبدء مرحلة استنهاض ضرورية تحت سقف القرار الاتهامي. فالعودة المرتقبة يمكن ان تتزامن مع نشر القرار، الأمر الذي يشكل في ذاته تحدياً كبيراً. والاسئلة المواكبة داخلياً: هل يمكن ان تكون العودة محكومة بمفاعيل النشر وحيثياته، وما هو السقف الذي قد يظلل كلام الحريري، مع ترقب موقف "حزب الله" من نشر القرار وحيثياته، لا سيما إذا جاء مفصلاً لجهة الدوافع وتحميل المسؤوليات؟ وهذا الأمر قد يترك انعكاسات مباشرة، سواء على الشارع أو حتى لجهة اداء السلطة السياسية الجديدة وضمّها حزباً متهماً من أعلى مستوى دولي، وما يمكن أن يترتب على ذلك من خطوات دولية أو عربية في حقه.