عِبَرٌ في تصرف العهد الجديد
(الإدارات الأمنية) والمهام التي مارستها و(صادرتها)
يروي أحد الوزراء الذي عاد (وزيراً حالياً) في الحكومة الجديدة، إنه في بداية عهد الرئيس السابق اميل لحود، زاره في مكتبه ومعه ملفات لمناصرين له من طائفته، وسأله أن يأخذهم بعين الإعتبار في التعيينات الإدارية باعتبار إن هذه الخطوة تقوّي موقعه داخل طائفته في مواجهة خصمه الذي صودف إنه خصم للعهد، آنذاك، أيضاً.
لم يُكلِّف الرئيس لحود نفسه عناء التطلُّع إلى الملفات بل بادر إلى القول لزائره:
(إنزل إلى عند (…) فملف التعيينات موجودٌ عنده)!
الشخص المعنيّ كان مديراً عاماً لإحدى الإدارات الأمنية، وكان يتجاوز الدور الذي حدَّده له القانون، فتارةً يوحي بأنه يُشكِّل حكومات وتارة أخرى يقول إنه (يُركِّب) لوائح إنتخابية، وأحياناً كثيرة يتدخَّل في جدول أعمال مجلس الوزراء لجهة إسقاط بنود منه وتسيير أمور أخرى.
في إحدى جلسات مجلس الوزراء طُرح بند زيادة عامل الإستثمار في الأبنية المشادة قبالة شاطئ بيروت، حين وصل جدول الأعمال (قبل إنعقاد الجلسة طبعاً) إلى المدير المذكور أجرى إتصالاً بالمدير العام لرئاسة الجمهورية (طالباً) عدم إقرار البند المذكور بذريعة أن بعض النافذين يستفيدون منه، وتبيَّن لاحقاً أن خلفية الرفض تعود إلى أن هذا المدير يملك شقةً في بناية تُطل على البحر، وإذا ما أُقر بند زيادة عامل الإستثمار، تفقد شقته ميزة إطلالتها على البحر!
في إحدى الجلسات أيضاً كان مطروحاً وقف التعامل مع إحدى شركات صيانة معامل توليد الكهرباء، لكن بسحر ساحر أو بشكل أدق، بسحر المدير المذكور، أُعيد تكليف الشركة المذكورة ليتبيَّن لاحقاً أن صاحبها يرتبط بعلاقة وثيقة مع ذلك المدير، ما أتاح له الفوز بمناقصة الصيانة مجدداً.
* * *
هذا غيضٌ من فيض الأدوار السياسية والإقتصادية التي كان يقوم بها بعض رؤساء الإدارات الأمنية سابقاً، مخالفين بذلك القوانين التي تُحدِّد مهامهم وصلاحياتهم، وقد بلغ الأمر بأحدهم حدَّ القول لأحد المراجِعين في شأن موعد، إن قال:
لا وقت لدي للمواعيد فنحن نبني بلداً ويكاد الوقت لا يكفينا.
* * *
الإنهماك أو (التلهي) بملفات من غير إختصاص جعل المنهمِكين والمتلهين ينصرفون عن الملفات المطلوبة منهم، فبدا العجز واضحاً في تعقُّب حادث إعتداء أو جريمة، وثمة مَن يعتقد بأن العجز ناجمٌ عن تواطؤ!
فمَن لا يتذكَّر حادثة الإعتداء على زوجة السفير السابق جوني عبدو في أحد المجمّعات البحرية؟
ومَن لا يتذكَّر محاولات منع الرئيس الجميِّل من العودة إلى لبنان؟
حتى حين قرَّر العودة، ذهب مَن يُبلغه في قاعة الإنتظار في مطار باريس أنه يُستحسن عدم العودة!
* * *
الشواهد تطول، ومن أبرزها (تحريك الملفات) إذا ما تجاوز أحدهم حدود الطاعة السياسية، وللبحث صلة..