#adsense

هل حدد الرئيس سليمان الاستراتيجية السياسية اللبنانية؟

حجم الخط

هل حدد الرئيس سليمان الاستراتيجية السياسية اللبنانية؟

عهد الرئيس ميشال سليمان يقرأ من بداياته . إنها بداية جيدة مع تشكيل الحكومة الجديدة ، وعودة الأسرى إلى الوطن ، و الامل باستكمال هذه الفرحة بعودة الاسرى اللبنانيين الموجودين في السجون السورية ، ومع البدء بعودة العلاقات اللبنانية – السورية إلى مسارها الصحيح ، وعودة الحياة إلى الدولة ومؤسساتها …

في خلال فترة وجيزة حصل انتقال وتحوّل من أقصى التأزم والتشاؤم والقلق إلى الانفراج والتفاؤل والاطمئنان ، ومن وضع مضطرب أمنياً يلامس خط الفتنة والفوضى المتنقلة إلى وضع مستقر نسبياً بفعل توافر " الأمن السياسي " .

في خلال فترة وجيزة نجح الرئيس سليمان في حيازة ثقة اللبنانيين. هم يحترمونه و يثقون به على تواضعه وهدوئه وصدقه وإنسانيته ، ويثقون بحكمته وبعد نظره ورؤيته الثاقبة وإدراكه العميق لخصوصيات وتوازنات الوضع اللبناني وفلسفة الوفاق الوطني والعيش المشترك .

ميشال سليمان رئيس توافقي بامتياز . يعرف كيف يقف على مسافة واحدة من الجميع وكيف يراعي أوضاعا وحساسيات من دون المس بثوابت وقناعات وطنية راسخة لديه لأنها نتاج تجربة غنية في المؤسسة العسكرية . وستخيب آمال ورهانات من يعتقد ان في امكانه ان يستدرج الرئيس إلى لعبة الصراعات والتجاذبات السياسية ، وان يجعل منه طرفاً وان يكون في خدمة مشاريعه واهدافه. الرئيس سليمان مع الوطن ومصلحته العليا ، مع الدستور والقوانين ، مع المؤسسات ، مع القضاء العادل والنزيه والنظيف وكل ما ومن يساهم في اصلاحها وتفعيلها . هو مع الوحدة الوطنية بكل معانيها وإبعادها ، مع الحريات والديمقراطية والسيادة والاستقلال ، مع المقاومة الشريفة ، مع دور عربي ودولي مميّز للبنان الذي قوته في " دوره الرسالة " وفي ما يمثله من قيم ومبادىء .

من يقترب من هذه التطلعات والأهداف يقترب من الرئيس ، ومن يبتعد عنها يبتعد حكماً عن الرئيس الذي لا يبحث عن مصالح ولا يدخل في سياسة المحاور وإنما يحمل مشروعاً واقعياً وطموحاً في آن ويتطلع إلى أوسع مشاركة فيه وأقوى مساندة له من اللبنانيين أولاً .
خطاب القسم رسم خطوط هذا " المشروع " – البرنامج " بكل صدق وعمق . لم يغدق الرئيس سليمان الوعود البراقة والمواقف التي تخلط الأحلام بالأوهام ، وانما عرض ما هو متوافر لديه وقادر عليه ، ما هو مؤمن ومقتنع به ، مدركاً للصعوبات والعقبات وغير عابىء بها .

قال كلمته المقتضبة والمعبرة امام اكبر حشد دولي وعربي ، ومشى إلى القصر الجمهوري ليعيد اليه النور والحياة وليعيد إلى رئاسة الجمهورية الدور والهيبة والمكانة ، بعد ثلاث سنوات من الضياع والانكفاء والتجاذبات السياسية. ولم يتأخر الوقت حتى كان للرئيس سليمان اطلالة دولية من باريس في القمة المتوسطية التي حل فيها مشاركاً رئيسياً وضيفاً عزيزاً على قلوب الفرنسيين، وهناك حدد الرئيس سليمان استراتيجيته السياسية من دون مواربة ومساومة : الدبلوماسية لاستعادة مزارع شبعا مع اعطاء هذا الخيار كل الفرص قبل اعتماد خيارات اخرى ، العلاقات مع سوريا نريدها طبيعية ولا يصح الكلام عن تطبيع والخلل الذي اعتراها يجب ازالته ، الدولة هي ضمانة كل اللبنانيين ويجب بسط سلطتها وسيادتها على كل الأرض والجيش هو حامي المواطنين والحقوق ويجب تقويته وتعزيز قدراته .

قبل ذهابه إلى باريس ، اصر رئيس الجمهورية على ولادة الحكومة وعلى تذليل كل العقبات المفتعلة لتأخيرها . فكان له ما اراد ، وكانت حكومة ضمت بعض الطاقات الشابة المشهود لها بالنظافة والكفاءة والمهنية والعلم ، وضخت دماً جديداً في الحكم عله ينسحب على ادارة مترهلة فاسدة .

لقد تركت الحكومة الجديدة رغم ما فيها من تناقضات ارتياحاً لدى اللبنانيين لانها عكست رغبة التغيير عند الرئيس سليمان الذي ومن دون شك سيعرف كيف يتعامل مع التناقضات الموجودة وكيف يصهرها في بوتقة واحدة ويجعل من الفريق الحكومي فريقاً منسجماً ومنتجاً. وهذه الحكومة الاكثر تناقضاً في السياسة يمكن ان تكون الاكثر استقراراً وتوازناً ، وهذه الحكومة الاقصر عمراً يؤمل ان تكون الاكثر انتاجية ومردوداً .

وبعد عودته من باريس لم يتردد الرئيس سليمان للحظة في رعاية الاحتفالات بعودة الاسرى والمحررين من السجون الاسرائيلية، وفي ان يكون على رأس مستقبليهم متباهياً بهم مكرماً لهم . كان الرئيس في هذه اللحظات العابقة برائحة البطولة والكرامة والعنفوان ، وبالمشاعر والانفعالات الوطنية ، مع شعبه في المكان الصحيح لاعلان الموقف الصحيح الذي تبناه علناً السيد حسن نصرلله بالكامل من دون زيادة ونقصان خلال كلمته في المهرجان الذي اقيم في الضاحية الجنوبية لاستقبال الاسرى المحررين .

والآن جاء وقت العمل بعد انتهاء التهاني بالحكومة والاحتفال بعودة الاسرى . والخطوة الأولى بعد نيل الحكومة الثقة ستكون في اطلاق الحوار الوطني وفي مكانه الطبيعي في قصر بعبدا وبرئاسة وادارة الرئيس سليمان . ومن الطبيعي ان يستأنف الحوار من حيث توقف ، وان يكون على جدول اعماله بندان رئيسيان : الاستراتيجية الدفاعية التي من ضمنها يكون التعاطي مع سلاح حزب الله ودوره المستقبلي ، والامر الثاني هو وضع آليات تنفيذية لما سبق وان اتفق عليه في مؤتمر الحوار الاول في شأن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات والعلاقة مع سوريا .

سيكون ملف العلاقات اللبنانية – السورية في عهدة الرئيس سليمان لأنه موضع ثقة واحترام وتقدير من القيادة السورية ، وهو الذي أبقى على علاقة تنسيق قائمة على الاحترام المتبادل بين الجيشين اللبناني والسوري خصوصاً بعد انسحاب سوريا من لبنان . وستخرج العلاقات الثنائية من حال الجمود والسبات العميق لتكتسب حيوية العودة إلى ما يجب ان تكون عليه ويحدث في مسارها نقلة نوعية مع اقامة علاقات دبلوماسية وافتتاح متبادل لسفارتين في بيروت ودمشق … ولكن المشكلة مع سوريا ليست فقط دبلوماسية ، وانما هي تراكم مشاكل عدة عالقة بين البلدين ويحتاج حلها إلى حوار ثنائي مباشر بين لبنان وسوريا من دون رعاية وتدخل من الخارج . وسيمضي الرئيس سليمان قدما في اعادة العلاقات اللبنانية – السورية إلى طبيعتها ، وسيتخذ من دمشق منطلقاً لجولته العربية ، ولكن علاقاته العربية التي تمر من دمشق ليست محصورة بها . لبنان ليس طرفاً في سياسة المحاور العربية ، والرئيس سليمان يطمح إلى لعب دور على صعيد ترميم العلاقات العربية والتقريب بين سوريا وكل من مصر والسعودية .
فهل يبادر الرئيس سليمان إلى مثل هذا الدور ؟ واذا بادر هل يعطى له … ؟

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل