#dfp #adsense

الحرب الروسية ـ الأوكرانية: أسباب… إرتدادات… نتائج

حجم الخط

كتبت لوسيا الخوري في “المسيرة” – العدد 1727

الحرب الروسية ـ الأوكرانية: أسباب… إرتدادات… نتائج

الشرق الأوسط الى ما قبل 2003… والحل بالحياد!

إتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القرار الصعب والجريء والمكلف في إعلان الحرب على أوكرانيا وحل المشكلة عن طريق القوة العسكرية، واضعا العالم في حال من الذهول وواضعًا أوروبا أمام أخطر حرب تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية وتحمل في طياتها شرارات حرب عالمية ثالثة. ولكن الهجوم الروسي لا يشكل مفاجأة والأزمة الأوكرانية ليست طارئة…

 

لماذا أوكرانيا؟

كانت أوكرانيا جزءًا من جمهوريات الإتحاد السوفياتي، ولكنها لم تكن كغيرها من الجمهوريات إن من حيث المساحة أم عدد السكان أم الشعور الوطني (القومي) أم الفائض الاقتصادي الزراعي (الحبوب)، أم الإمتياز الثقافي الجامعي كمقصد للطلاب الجامعيين من العديد من دول العالم. هذه المميّزات أعطت أوكرانيا قدرة المبادرة والإمكانية للإعتراض على سياسة موسكو، الأمر الذي لم تكن بقية الجمهوريات السوفياتية تتجرأ على القيام به. هذه الخصوصية وضعت أوكرانيا في «بوز المدفع»، خصوصًا مع وجود الرئيس بوتين على رأس السلطة في الكرملين.

يعتبر بوتين أن إعطاء خصوصية لأوكرانيا كان خطأ، وأن تفكيك الاتحاد السوفياتي كان خطأ استراتيجيا، وبالتالي من الضروري إعادة الإمبراطورية الروسية الى اتساعها وشموليتها ودورها المحوري في تحديد مصير العالم المعاصر. وأوكرانيا هي جزء من النسيج الروسي وينبغي أن تبقى كذلك، وبالتالي ينبغي إخضاعها لإرادة موسكو في كافة الخيارات السياسية والاستراتيجية.

 

بداية التوتر

بدأ التوتر عندما استقلت أوكرانيا في نهاية عام 1991، وبدا واضحًا منذ بداية الإستقلال أن هناك تشابك مصالح بين أوكرانيا وروسيا، ما جعل الإستقلال الكامل أمرًا صعبًا. فهناك القاعدة البحرية الروسية في شبه جزيرة القرم، وهي قاعدة وحيدة للروس على البحر الأسود والتخلّي عنها يُفقد روسيا الكثير من قوة أسطولها البحري ومقدرته على الوصول إلى المياه الدافئة. ومن ناحية أخرى هناك مجموعات سكانية روسية كبيرة في القرم ومنطقتها على الحدود الروسية ـ الأوكرانية في دونيتسك ولوغانسك تحديدًا ترفض البقاء ضمن أوكرانيا وتطالب بالإنضمام إلى روسيا الأم، مما يعطي الذريعة لتدخل عسكري يحمي تلك المجموعات ويدعم إستقلالها عن أوكرانيا لتكون خط دفاع متقدمًا لروسيا. وأخيرًا وليس آخرًا هناك الغاز الروسي الذي يمر 80 في المئة منه عبر أوكرانيا إلى أوروبا ويشكل ثلاثة أرباع دخل شركة الغاز الروسية الرئيسية «غازبروم». من هنا تعتبر القيادة الروسية أن نزعة الأوكرانيين للإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي وسعيهم لعضوية حلف «الناتو» بعد القضم الروسي لشبه جزيرة القرم، يعرّض مصالحها للخطر الحقيقي والوجودي.

 

إعلان الحرب

طالب بوتين بضمانات موثقة لجهة إنهاء هيمنة القوميين المتشددين على الدولة الأوكرانية، وضمان وضع محايد لأوكرانيا ونزع سلاحها، وتخلّي أوكرانيا والغرب عن فكرة إنضمامها الى الحلف الأطلسي، والإعتراف بالسيادة الروسية على «شبه جزيرة القرم»، وكذلك الإعتراف باستقلال الجمهوريتين الإنفصاليتين شرق البلاد، والحصول على ضمانات رسمية من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بمنع توسّع الحلف نحو الشرق، وعدم نشر أسلحة هجومية بالقرب من الحدود الروسية، وإعادة القدرات العسكرية والبنية التحتية للحلف الى الوضع الذي كان عليه في العام 1997 عندما تم التوقيع على القانون التأسيسي للعلاقات المشتركة والتعاون والأمن بين روسيا وحلف «الناتو».

لكن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) رفضا الرد على المسودات التي قدمتها موسكو، بل وتم التأكيد على مبدأ حرية قبول أعضاء جدد في «الناتو». وبالتزامن كثف الغرب من الضغط الاقتصادي عليها، عبر فرض عقوبات جديدة. ومؤخرًا، فرضت الولايات المتحدة حظرًا على جميع الواردات الأميركية من النفط الروسي والغاز الطبيعي المسال والفحم، فيما يُعدّ أكثر العقوبات الأميركية قسوة ضد هذا القطاع الحيوي الروسي.

سقط بوتين في الفخ الأوكراني ونجح الأميركيون في إستدراجه بعدما تعمّدوا رفض مطالبه واستفزازه، ولم يفعلوا شيئا لتهدئته وطمأنته ولحل النزاع. وفي 24 شباط، أعلن بوتين الحرب على أوكرانيا واعتمدها خيارًا لفرض شروطه بالقوة العسكرية بعدما أخفق في فرضها بالطرق الدبلوماسية والسياسية.

 

العمليات العسكرية كشفت عن النتائج التالية:

1-نجحت أوكرانيا في استيعاب الموجة الأولى من «التسونامي الروسي»، وظهر أن التقدم الروسي لم يكن سريعًا وحاسمًا وفقد زخمه نتيجة المقاومة الأوكرانية ومشاكل لوجستية… وتبيّن خصوصًا أن مقاومة الجيش الأوكراني لم تكن ضعيفة وإنما تميّزت بالصلابة والتصميم والشراسة.

2-ردة فعل الغرب على الغزو الروسي لأوكرانيا خالفت أيضًا توقعات بوتين، وجاءت فورية وشاملة وحازمة، إن لجهة الذهاب الى عقوبات اقتصادية قاسية تصل الى حد عزل روسيا عن النظام المالي العالمي، أو لجهة دعم أوكرانيا عسكريًا ومدّها بأسلحة دفاعية نوعية ومتطورة لمواجهة الهجوم الروسي (خصوصًا الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات). ولأول مرة في تاريخه يقرر الاتحاد الأوروبي تسليح بلد غير عضو فيه ويعلن التعبئة العامة لمساعدته، ليس فقط عسكريًا وإنما على صعيد المساعدات الطبية والغذائية والإنسانية، والإهتمام بشؤون اللاجئين الأوكرانيين وإعطائهم تسهيلات… وفي الواقع، فإن الأوروبيين يتصرفون مع أوكرانيا كما لو أنها دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، فيما يتصرف الأميركيون معها كما لو أنها فعلا دولة عضو في حلف الأطلسي. وما يجري هو حرب بالوكالة بين روسيا والحلف الأطلسي عبر أوكرانيا وعلى ساحتها.

3-صورة بوتين التي ظلت راسخة وقوية حتى غزوه لأوكرانيا، تعرضت لضربة قوية، بعد توسع الغزو باتجاه كييف ومدن كبرى أخرى، واستخدام مفرط للقوة وعقوبات اقتصادية قاسية أدت الى بداية إنهيار في الأسواق المالية الروسية.

باختصار، اكتشف بوتين أنه أخطأ في التقدير ولم يكن يتوقع مقاومة أوكرانية شرسة ودعمًا غربيًا أطلسيًا مفتوحًا، وحصارًا اقتصاديًا وعزلة دولية…

 

المفاوضات تراوح مكانها

المفاوضات تراوح مكانها ووصلت عمليا الى طريق مسدود… والطرفان في وضع دقيق يشبه المأزق: بالنسبة الى بوتين، التقدم الى الأمام، أي الى الحسم العسكري، يعني المزيد من إراقة الدماء والتدمير والأرض المحروقة وحرب المدن والشوارع والعقوبات والحصار المالي والاقتصادي. أما التراجع الى الوراء، أي وقف الحرب وسحب القوات الروسية ونقل الأزمة الى طاولة المفاوضات والتسوية، فإنه يبدو خيارًا أصعب وأكثر كلفة من الناحية الاستراتيجية، لأن معركة أوكرانيا لا تحدد فقط مصير بوتين كرئيس لروسيا، وإنما تحدد مصير ومستقبل روسيا، لأن عدم قدرتها على الحسم وتسليمها بعدم إمكانية الحل العسكري للأزمة يضعها في موقف ضعيف، لن تكون فيه قادرة على فرض شروطها، وسينتهي بها الأمر الى الإنكفاء على نفسها والإنتهاء كلاعب دولي محوري وأساسي. ولذلك ليس أمام بوتين إلا الإستمرار في الحرب الى أن تحقق أهدافها وتصبح موسكو قادرة على فرض شروطها. ومن المستبعد أن يعطي بوتين وعدًا أو يطلق إشارة حاسمة بوقف الحرب طالما أنه لم يحقق بعد أيًا من أهدافه في أوكرانيا، ولا يمتلك بعد الأوراق التي تمكّنه من فرض شروطه على أوكرانيا.

أما بالنسبة الى الرئيس الأوكراني، التراجع الى الوراء، أي القبول بالشروط الروسية لوقف الحرب، يعني أنه كتب نهايته ونهاية أوكرانيا كدولة مستقلة ذات سيادة وطامحة الى التوجه غربًا والإنضمام الى الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي… والتقدم الى الأمام، أي الإستمرار في الحرب، سيكون مكلفاً جدًا على صعيد الخسائر البشرية والمادية، في ظل أسلوب تدميري يتبعه الروس واستعدادهم للمضي قدمًا مهما كلف الأمر، وفي ظل موقف أوروبي وأميركي غير كافٍ لوقف الهجوم الروسي. هذا الموقف أظهر كل دعم وتعاطف مع أوكرانيا، ولكنه ما زال يحاذر المواجهة وخطر الإنزلاق الى الحرب المباشرة مع روسيا…

النتيجة أن الحرب ستظل حربا بالوكالة بين روسيا وحلف الأطلسي عبر أوكرانيا وعلى أرضها، وأن الحرب ستكون صعبة وطويلة مدمرة ومكلفة وتفتح مرحلة جديدة في العالم، وستعيد صياغة النظام الأمني الأوروبي على أسس جديدة و»بالدم» مرة جديدة.

 

تحوّل في مستقبل أوروبا… ونظام دولي جديد

حرب أوكرانيا سترسم ولسنوات قادمة قواعد جديدة للصراع الدولي ولحرب باردة جديدة إنطلاقا من أوروبا. فالأوروبيون يعتبرون أن بوتين وجّه ضربة موجعة وقاضية للسلام والإستقرار في أوروبا، وأن عليهم أن يتعايشوا مع وضع جديد وأن يُعدّوا أنفسهم وخططهم لحرب طويلة ستحفر عميقاً في وجدانهم وواقعهم، لأن بوتين ليس في وارد التراجع.

لقد أيقظ بوتين عند الأوروبيين هاجس حرب عالمية ثالثة كانت لتقع لولا الخشية من تحوّلها الى حرب نووية مدمرة. الأوروبيون، مثل الروس، يخوضون معركة حياة أو موت، وأوكرانيا تشكل خط الدفاع الأول عن أوروبا في هذه المعركة. ولأن الوضع على هذه الدرجة من التعقيدات والخطورة، إستيقظت أوروبا من سباتها ومعها حلف شمال الأطلسي. لقد حققت روسيا بهذا الإجتياح ما لم يستطع أحد تحقيقه منذ مدة طويلة، الوحدة غير المسبوقة بين الدول الأوروبية وحلفائها. إستعاد الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، ودول عدم الإنحياز الأوروبية الأخرى، إدراكهم للأرضية المشتركة التي تجمع بينهم، وأصبحوا فجأة متحدين. وفجأة غيّرت ألمانيا، التي تُعدّ أكبر اقتصاد في أوروبا والأكثر تساهلاً مع الصين وكذا مع روسيا، مسارها وتتجه حاليا نحو تسلّح كبير.

أوروبا أمام لحظة حاسمة في تاريخها وخط فاصل زمنيا واستراتيجيا بين مرحلتين. حرب أوكرانيا ستكون لها تبعات عميقة على حياة الأوروبيين ونتائج جيوسياسية على القارة القديمة التي تُقرع طبول الحرب مجددًا عند أبوابها، وينبغي عليها أن تصبح قوية وتحمي نفسها بنفسها، وأن تراجع سياساتها وتُحدث تغييرًا جذريًا وفي اتجاه إعادة بناء نظام أمني وسياسي واقتصادي جديد…

على صعيد آخر، العالم بعد الغزو الروسي لأوكرانيا على أعتاب نظام عالمي يتشكل اليوم، وقد تكون الحرب الباردة بنسختها الجديدة جزءاً من هذا النظام الذي سوف يقلب الموازين ويمهد لما هو أسوأ من الحرب العالمية، وهي الحروب الطويلة الأمد، وحروب المصالح والهيمنة على حساب طمس دول أخرى.

الحرب اليوم داخل أوكرانيا لكن الرهان خارجها، حيث تحوّلت إلى مسرح لاستعادة الأوزان السياسية في العالم، وإعادة تموضع التحالفات والتوازنات لكل دول العالم بناء على نتائج ما يحدث.

 

الشرق الأوسط لن يكون بمنأى

دول الشرق الأوسط هي خط التماس الثاني بعد أوروبا بسبب الصراعات المفتوحة في معظم ساحاتها وهشاشة الأمن فيها واستجابتها السريعة للتطورات الدولية، وبسبب وجود ثلاث قوى رئيسية مؤثرة تملك مشاريع وبرامج هي: تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على أرضها قواعد عسكرية لـ»الناتو» وأخرى للقوات الأميركية وثالثة لإسرائيل. كان واضحاً إنحياز تركيا الكامل للموقف الغربي في الأزمة الأوكرانية ربطاً بموجبات إنضمامها لـ»الناتو» وعلاقتها بالولايات المتحدة، وبالتالي فإن دورها يبقى تحت السيطرة، ومن المستبعد أن تكون مشاكسة ومزعجة… وإسرائيل الذي ينسجم دورها مع الموقف الغربي ومع تصوّرات القيادة المركزية للقوات الأميركية وأهدافها في المنطقة. وقد تم نقل إسرائيل في 15 كانون الثاني 2021 من منطقة عمليات القيادة الأوروبية للقوات الأميركية الى منطقة عمليات القيادة المركزية (مقرها البحرين) لتسهيل التعاون الأمني الثنائي والإقليمي وتقاسم الأعباء لقيام حوار بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي حول الشراكة الصينية ـ الإيرانية… وإيران الدولة المشاكسة، غير القابلة للتطويع، حذرة، قلقة، تشاهد وتراقب وترصد، لانتهاج الموقف الذي يحفظ مصالحها وهي تخوض مفاوضات شاقة ومعقدة في فيينا من دون أن يتم التوصل الى إتفاق حتى الآن. هذا الحذر والقلق والترقب عكسته مواقفها الضبابية حيال حرب أوكرانيا. فهي رفضت الحرب، لكنها أدانت الغرب من دون أن تدين روسيا. لم ترفض قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن روسيا لكنها امتنعت عن التصويت. لم تُدن روسيا، لكنها لم تعترف بانفصال دونيتسك ولوغانسك. مرد هذه الضبابية قلقها من تمدد حلف «الناتو» نحو الشرق لأن ذلك سيجعل صواريخ الحلف على مرمى حجر من حدودها وهو ما يسبب لها أخطاراً جيوسياسية.

تبدو إيران غير واثقة من وضع موسكو في هذه الحرب، وهناك مخاوف حقيقية من تداعياتها ومخاطرها، ومن أن تكون روسيا استُدرجت الى الحرب والمستنقع الأوكراني، ومن أن يكون استنزافها في هذه الحرب سببا لضعفها وتضرر حلفائها وإعادة الوضع في الشرق الأوسط الى ما كان عليه قبل العام 2003، وأن يطيح الغزو الروسي لأوكرانيا نتائج ومكتسبات الغزو الأميركي للعراق.

أما بالنسبة الى الدول العربية، فأيًا كانت نتيجة هذه الحرب، فإنها ستنعكس على خارطة التحالفات التي شكلتها الأنظمة العربية خلال عقود، سواء بالإرتماء الكامل في الحضن الأميركي الغربي، أو بمحاولة بعض هذه الأنظمة إستبدال هذا الحضن بدفء الدب الروسي، على اعتبار أن الأخير أكثر مصداقية في تعامله معهم.

باختصار، الشرق الأوسط لن يكون بمنأى عن الأزمة الأوكرانية، لأن المواجهة المفتوحة حاليًا بين أوروبا والولايات المتحدة من جانب وروسيا من جانب آخر، ستؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الإصطفاف ـ الإستقطاب الأمني والسياسي في الشرق الأوسط وفق قواعد إشتباك جديدة تكون بديلاً عن الإستقطاب التقليدي الذي لطالما إتسمت به المنطقة منذ إنهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل