في مطار شارل ديغول
اعتمد النظام الامني المشترك خصوصاً في المرحلة الممتدة من العام 1990 وحتى الخروج السوري من لبنان سياسة مكافأة المطبلين والمتعاونين والصاغرين والمنفذين لاملاءات هذا النظام ولتعليمات سلطة الوصاية السورية ، وكانت احدى وسائل تبادل الخدمات هي الايعاز باعطاء اصحاب الشأن جوازات خاصة لبنانية تسهل لهم سبل التجول والحصول على تأشيرات تسهل لهم الامور في مجال اعمالهم الخاصة وتلك التي كان النظام المذكور يطلبها منهم على المستوى الخارجي ! وقد شاعت هذه الجوازات الى حد ان دول العالم قاطبة لم تعد توليها اية اهمية ! وصارت في المراحل الاخيرة السابقة للانسحاب السوري سبباً آخر اضافياً في عرقلة دخول اصحابها الى الدول المعنية ! واستمر امر اعطاء الجوازات عشوائياً حتى ما بعد مرحلة ثورة الارز وشمل التوزيع العشوائي والاستنسابي على يد الوزير المعني او حتى على ايدي الموظفين الكبار في وزارة الخارجية ومديرية المغتربين في آن معاً !!
واللافت في هذا المجال ان دمشق التي رعت طوال 15 عاماً عملية الوهب الانتقائي للجواز اللبناني لم تفعل نفس الشيء فيما خص جوازها الخاص ، الذي ظل مقتصراً على اصحاب الحاجات الملحة ، ربما لأهداف تتعلق بسعيها الى ترسيخ صورة لبنان " القاصر " عن ادارة شؤونه الخاصة والعامة بنفسه تمهيداً لاستمرار احتلالها المغلف بالمساعدة الاخوية دهراً آخر ! بحيث يصبح امراً واقعاً مقبولاً لدى الجميع عرباً وعجماً ! وقد ساعدها في هذا وبنجاح لافت عهدي المرحلة الممددين اللذين تصرفا في كثير من امور لبنان على النحو الذي يراعي ما يرمي اليه النظام السوري ويسمح له بتظهير الصورة المطلوبة في الشكل والمضمون وصولاً الى تحقيق الأهداف المبيتة !
ومن هذه الحقائق نصل الى ما تعرض له النائب نبيل نقولا في مطار شارل ديغول ، ومع تعاطفنا مع النائب المذكور واستغرابنا لما تعرض له ، فإن جملة امور لا بد من تأكيدها واولها دون شك ان نقولا كان في زيارة خاصة ، وفي هذه الحالة فإن القوانين الدولية لا تقدم امتيازات للنواب ولا للوزارء او المسؤولين الاجانب ، وان مناشدته الحكومة الجديدة والمجلس النيابي استنكار ما حدث معه يأتي في غير موقعه الصحيح ، وقد كان واجباً لو ان النائب نقولا كان في زيارة رسمية ، وفي هذه الحالة تختلف المعايير بالتأكيد ويصبح الأمر كله قضية لبنانية عامة تستوجب السؤال والمتابعة … وطلب الاعتذار حتى ؟ !
والأهم في هذه الهمروجة كان اصرار النائب المذكور على ايصال الأمر الى الاعلام رغم خصوصيته ! وعدم انطباق الشأن العام عليه وكان يمكن له ان يمر مثل كل الامور اليومية البسيطة التي تواجه اللبنانيين في الخارج من جراء ما تعرض له لبنان طوال الـ 30 سنة المنصرمة وهو ما عكس " قلة احترام " لمعظم التدابير التي اتخذتها السلطات اللبنانية المتعاقبة بتحريض من سلطة الوصاية السورية ! او حتى احياناً لغايات داخلية " في نفس يعقوب " المتولي الشأن العام لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة ومعاييرها المعتمدة !
ويبقى ان الحل الوحيد المتاح راهناً هو ان يحصل النواب وكبار المسؤولين اللبنانيين على جوازات سفر ديبلوماسية تنتهي مفاعيلها مع انتهاء مهماتهم الرسمية ، وان يصار خلال فترة محددة الى غربلة سريعة للجوازات الخاصة بحيث لا يحمل واحداً منها الا مستحقه ، وصولاً الى استعادة الاحترام الدولي للوثائق الصادرة عن الجهات اللبنانية المعنية .