#dfp #adsense

غَضَبٌ إلى نهاياتِ الأَدهار

حجم الخط

إنّ مَنْ يتعقَّبُ أخبارَ المسؤولين، عندَنا، يتولّدُ وَلَعٌ لديه، بدرسِ هذا المِحور، ليقفَ على شناعتِه، ويرصدَ مرارةَ نتائجه، فينفجرُ كَيدُه غَيظاً، ولا يتورّعُ عن أن يتمنّى لهم الرّحيلَ، غيرَ مأسوفٍ عليهم، وغيرَ مَغفورٍ لهم.

إنّ المتربِّعين على رِقابِ النّاس، في بلادِنا المغدورة، هم قَدّاحو الشرّ، فالفسادُ، والضّغينةُ، والمكر، والعداوة، وشراسةُ القهر، تركَت، كلُّها، وطنَنا هامداً، لا حسَّ فيه ولا روح، وغرَّزَت في نفوسِنا غضباً لا بابَ لحدودِه. وفي مقابلِ هذا الواقعِ الرَثِّ، والمُنكَر، وقعَ إضرامُ غضبِنا في متاهة، أو في عُسر، فلَو سُئِلَ عن تحديدِ عُلُوِّ كُرْهِهِ المسؤولين، لَعَجزَ عَجزاً مُبيناً.

عندما انتقلَ لبنان، من عهدِ السّيادةِ، والإنتصارِ لمعادلةِ الحقوقِ والحريّات، الى عهدِ التقشّفِ في مسألةِ الكرامة الوطنيّة، والإشاحةِ عن المسؤوليّةِ في الحكم، طَفَحَ الإشتياقُ الى الإستقامةِ في أداءِ أصحابِ المَكانات، على أساسِ أنّ الإستقامةَ، في عِرفِ هؤلاء، هي نِحلةٌ دخيلةٌ، باطِلة، ولا رجاحةَ لها في سلوكهم، ففي عكسِها يَظفرون بالغنيمةِ المُثرِيَة. وإذ يجحدون الوطنَ ثلاثاً، عندَ صياحِ كلِّ صباح، لأنّ ولادتَهم كانت في زمنِ الخطيئة، لذلك، ينبغي ألّا يتذكَّرَ الوطنُ إِلّا واجبَ وَأْدِهم. ( وَأَدَهُ أي دفنَهُ في التّرابِ حَيّاً ).

لقد تَمَطّى فوقَ عرشِ التَحَكّمِ، في بلادِنا، جماعةٌ معدومةُ الأهليّةِ في قيادةِ شَعب، انحلَّتِ القِيَمُ في مَسراها، وسادَتِ الرّذيلةُ النّكراءُ في سلوكِها، وقد حوَّلَت البلدَ جثَّةً عاريةَ العظام، لَو طُرِحَت الى الذِّئبِ لَعافَها. وبعدَ أن  كنّا نرى في الوطنِ جنَّةً نستوطنُها لِطيبِ عيشِنا في مَداها، ولا شُغلَ لنا بها إلّا العبادة، فوحدَها تتربَّعُ في وجدانِنا لتكونَ الأَبقى فيه، غُصِبْنا ميراثَها في الحريّةِ، والعدالة، والعيشِ الكريم، فلم تَعُدِ لنا الأَحلَمَ إِلْفاً، لأنّ التّرابَ غَبَّرَ وجهَها، وكأنّها صارَت أسيرةَ الأَعوامِ العِجاف، حتى أنّ بَعضَنا اليائِسَ لم يتردَّدْ في التّنازُلِ عن المفاخرةِ بالإنتماءِ إليها.

الواقعُ، اليوم، شَوكٌ وأَهوال، وأزماتٌ وبَلايا، وصُنوفُ فساد، وتَقويضٌ للدولةِ لإخضاعها لسياقٍ مُستَورَد، واستباحةٌ لمقدّراتِ البلاد، وبناءُ تشكيلاتٍ ترسِّخُ ضَياعَ الوطن، واستماتةٌ لإجهاضِ حلمِ النّاس بالخلاص. هذا الواقعُ المرّ، قد حوَّلَ الشّعبَ رعايا، ومجرَّدَ عِبادٍ لا ثالثَ لإختِيارَيهم، فإمّا طأطأةُ الرّأسِ والخضوعُ، وإمّا الهجرة. ، أمامَ هذا التردّي المَقصودِ والمُغرِض، لا بدَّ من أن تُطرَحَ الإشكاليّةُ التالية : هل لا يزالُ الوطنُ مُدرَجاً في هالةِ التّقديس ؟ هل لا يزالُ الولاءُ له يَطغى على كلِّ رابطة ؟ هل الهويّةُ لا تزالُ محصَّنةً بواجباتِ الإنتماء ؟ …

إذا عُدنا الى مفهومِ الكُفر، يطالعُنا التَّعريفُ التالي : الكُفرُ هو نقيضُ الإيمان، ومن مواصفاتِهِ الجُحودُ، والإنكارُ، والعصيان…، وهو مرتبةٌ من الذّنوبِ ليس هناك ما هو أَحَطُّ منها، وأَشنَعُ. واستناداً، هل يليقُ بنا أن نتّهمَ الشّعبَ اللبنانيَّ، أو بعضَه، بكُفرِهِ بالوطن، بعدَ أن نُكِّلَ به، وأُجهِضَ رجاؤُه بالخلاص، وسُحِقَت حريّتُهُ، وأُمسِكَت أنفاسُه، وفُرِضَت عليه الإستكانة، وتحوَّلَت أيّامُهُ يأساً قاتلاً، ونُهِبَت إمكانيّاتُهُ للعَيش، وهُجِّرَ أبناؤُه، وديسَت كرامتُهُ الوطنيّة، وضُيِّعَت سيادةُ أرضِه، وقُوِّضَت دولتُه، واعتُدِيَ على كيانِ بلادِهِ بالوصاية، وخنقَتهُ جماعاتٌ غيرُ شرعيّةٍ بالتّرهيبِ والإجبار…

الشّعبُ يريدُ خروجاً سريعاً من هذه الأزمةِ التي شكّلَت مَساساً عدوانيّاً به، وانتهاكاً صارخاً لوطنِه، وأصبحَ ضحيّةً لمَوتورين قبيحين تركوا الحقَّ للباطل، فلم تَعُدْ شعاراتُهم تمرُّ ولَو صِيغَ لها ألفُ حجّةٍ سفسطائيّة. وباتَ هذا الشّعبُ مَكسَراً لقمعِ النّاهبين اللّصوص، ولعنفِ السّلاحِ المتفلِّتِ المُعتَدي على مكوّناتِ الوجود الحرّ، فانقرضَ حلمُه بالبهجةِ، وعادَ أسيراً لإِحباطٍ مُطلَق.

الشّعبُ، من حقِّهِ، أن يكفرَ، أن يغضبَ، أن يشطبَ من كيانِهِ كيانَ دولتِه، أن يُخِلَّ بانتسابِهِ الى أرضِهِ، فهل هذا كثيرٌ على مَنْ حُكِمَ عليهم بجهنَّم، قبلَ الموتِ، وقبلَ الله ؟؟ هل هنالك بشاعةٌ ومرارةٌ أكثرُ من ذلك؟؟ هل صُلِيَ قَومٌ بِنارِ القهرِ، وبأهوالٍ تُشيبُ النّواصيَ بشرورِها، كما أمرَتِ الشّياطينُ المُتَّكِئةُ على الألقابِ بتدميرِ وطنٍ بكاملِه ؟؟

إذا خرجَ الشّعبُ من دَفَّتَي وَقارِه، وانفجرَ كَيداً، وحقداً على المتسَلِّلين الى المسؤوليّة، وعلى مَنْ يؤازرونهم من المُستَفِزّين، وأسقطَ من اعتباراتِهِ رزانتَهُ، وطَغى عليه غَضَبُهُ، وثارَ مُزدَرِياً شاتِماً، مُلصِقاً كلَّ إهانةٍ بمَنْ عَرّوه من حياتِه، واصِفاً إيّاهم بأَذلِّ النُّعوت… لاستَوجَبَ مِنّا، مقابلَ ذلك، التّصفيقَ، والإكبار، ومن اللهِ البركةَ والمُسامحة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل