



كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1727
حبيس وَقْف الرب الأب أنطونيوس شينا
نمرة ندر الفقر الرهباني ما بتتغيَّر!
ضِمنَ كتابِه الإنسان ـ الوطن ـ الحريّة دَوَّنَ الأب العام بولس نعمان هذا التأريخ النسكي الشَّيناوي: »وَسْطَ تلك الأجواء السياسيّةِ المُلَبَّدةِ المُنذِرةِ بأحداثٍ كبيرةٍ، لاحَ لنا قَبَسٌ روحيٌّ، تمثَّلَ بدخولِ الأب «أنطونيوس شينا» الحياةَ النُّسكيّةَ في الثلاثين من نوّار 1982، بعدما تقدَّمَ من السُّلطةِ الرهبانيةِ بطلبِ الحصول على موافقتها، وِفقَ ما تقتضيه القوانين الرهبانيّةِ، وقَد فَرِحنا كثيرًا باستعادة هذا التقليد، بعدما شَغَرَت صوامعُنا منذُ وفاة آخر حبيسٍ مُتنسِّكٍ الأب «يعقوب مارون» في محبسة دير طاميش عام 1958!».
بولس الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة وراهبُها الربّان الحكيم الذي اجتازَ وإيّاها أوسعَ المسافاتِ الوطنيّةِ والإقليميّة والدولية، لم يتراءَ له قَبَسُ الروح الوهّاج إلاَّ دافِقًا مِن نافذةِ محبسةٍ نائيَّةٍ مرفوعةِ البنيان فوقٍ شيرٍ آراميٍّ قزحيّاويٍّ، وبولسُ المُقاومةِ اللبنانيّةِ الرَّاسخِ الحضورِ والفِعلِ في فصول وآياتِ عهدها الجديد، لم يؤمن بخوضِ مَلاحِم الوجود والبقاء والمصير إلاَّ تحتَ لواء ثورةِ نُسَّاكٍ مُتجدِّدةٍ تدعمُها وتعضُدُها وتتولّى رعايتها مشيئةُ الربِّ العُظمَى يقودها ناسكٌ قِمَميُّ الهويةِ العائليّةِ والإنتماءِ الجغرافيِّ البقرقاشيِّ المُجاورين للبقاعكفريَّةِ الشّربليةِ، حبيسٌ قياديٌّ سلاحُه الأمضى نذورُه الملكوتيّةُ وأسكيمُه الملائكيُّ و»شْحيمُه» الآراميُّ وصومُه وصَمتُه وسِراجُه ومِسحُهُ وعينانِ أنطونيوسيَّتانِ ثاقبتانِ تُصيبانِ بإحكامٍ جميعَ مواقعِ تجارب الشّرير تُسقِطانها موقِعًا تِلو موقع!
سيرة المغبوط الأب أنطونيوس شينا بأقانيمها العائليةِ والرهبانيّةِ والنسكية حفظتها وتحفظُها ضيعتُه القاديشيّة بقرقاشا عَن ذُهنِ قلبها وذاكرتِها، يوم غادرها فتى الإثني عشرة عامًا مُتلمِّسًا علاماتِ خُطَى يوسف أنطون زعرور مخلوف الهاجرِ بقاعكفراه ذاتَ فَجرٍ ليس فيه وداعٌ، وحفظتها وتحفضُها رهبانيَّتُه في روزنامتِها الجّوريَّةِ قارعًا باب دير مار أنطونيوس قزحيا طالبًا فمبتدئًا قَرعًا على وزن آية «أطلبوا تجدوا إقرعوا يُفتحُ لكم»، حتّى يوم باب قَرعِه أبواب ملكوت كواكب البريّة الكبار مُسَلِّمًا روحَه إلى الآب صاعدًا إلى مَنازلِه من وادي قَزوحايو، وسيرة بونا الحبيس شينا أتقنَ حِفظَها حتّى التّباهي الروحي جموعُ زوّارٍ توافدوا من جميع مناطق لبنان والدول العربية وبلدان الإغتراب قاصدين محبسة مار بولا غبتا لينالوا نعمة وإنعامات هذا السراج المناسكيِّ المرفوعِ نورًا شيناويًا باهرًا فوق مكيال عالمٍ يصارعُ صِراعًا مريرًا بين مساحات النّور والدّيجور!
هنا أبجديّةٌ أنطونيوسيَّةٌ شيناويَّةٌ تَسرُدُ بعضًا مِن أخبارٍ نادرةٍ مُضَمَّخةٍ بفضائل بونا شينا الممزوجة بين وداعة الأبرار في سلوكهم الذاتيّ وبين جرأتِهم في سلوك صوت الحقِّ الرّوحي الذي لا يُحابي الوجوه:
أ – الأب أنطونيوس شينا مُعلّم المُبتدئين طيلة عشرة أعوام من 1958 إلى 1968 بين دير سيدة النصر ـ نسبيه في غوسطا المباركة ودير سيدة المعونات جبيل جاهد جهاد وزنات الرب ليحظى بنعمة بالتشبُّه بأبيه مارون معلّم مبتدئي جبل قورش وبأبيه الأنبا أنطونيوس أبي الرهبان مُعلِّم مُبتدئي البراري والقِفار!
ب – زمان رئاستِه على دير مار أنطونيوس قزحيّا كان الأب الرئيس زمن فصل الشتاء يجمع بعد العشاء عمال مطبخ الدير ويأمرهم بحنان أَبويّ: «يا إبني روحو سربو ع بيوتكن وعند عيالكن بها البرد والصْقيع وبكرا الصباح رباح بتنضّفو المايده والمطبخ وبتجلو الصحون». وعند صباح اليوم التالي كانوا يتفاجأون بالمائدة والمطبخ ممسوحين يلمعان لمعًا وأواني المطبخ والصحون مجليّةً بأكملها..
وبعد حيرةٍ مديدة ومراقبةٍ ليليّةٍ، إنكشف السِرّ.. بونا الريّس شينا وبعد أن يخلد رهبانه إلى النوم كان ينزل من غرفتِه إلى المطبخ ليقوم بواجب آية «فليكُن كبيركم خادمًا لكم!».
ج – أب من آباء الرهبانية نال حديثًا ميرون سرِّ الكهنوت قام بزيارة الأب الحبيس شينا في محبسته طالبًا بركته، وكان الزائر يملك سيارةً من ذوي الثلاثة نجوم.. وكان الحبيس على علمٍ بالمُقتنى غير الرهباني. وعند نهاية الإسترشاد والتوديع فاجأ بونا شينا زائره بالسؤال التالي:
– عرفت يا إبني بأنّك مالك سياره عليها القَدَر والقيمه..
فأجابه الكاهن الجديد:
-هالسياره يا بونا الحبيس مش مال الرهبنه هيدي هديه من أهلي بمناسبة رسامتي .وأجابه الحبيس الأنطونيوسيّ:
– شو رأيك يا راهب يا نادر الفقر والعفّه أهلك يهدوك شي عروس حلوه غنيه؟!».
د – الأب العام شربل قسيس وأحد آباء المقاومة اللبنانية التاريخيين طالما ردَّد: «أنا شربل قسّيس خوَّفَت حافظ الأسد ومعمر القذّافي وياسر عرفات والوحيد اللي بخوِّفني هوّي بونا مطانيوس شينا».
كان الأباتي قسيس يكِنُّ محبّةً خاصة واحترامًا موصوفًا لأخيه شينا ويعتبره مُرشِدَه وقدوتَه، وفي الوقت نفسه يخشى فيه صرامةً رهبانيَّةً لا تتهاون بأيّةِ هفوةٍ نذوريَّةً حتّى ولو كانت غير مقصودةٍ، ومن إحدى هذه الهفوات «القسِّيسيّة «بعضُ حِدَّة طباعٍ كانت تُعرِّضه للتأنيب الشيناوي الأخوي..
عند زيارات يقوم بها الأباتي كان يرافقه في بعضها بونا شينا، وتصدف أن تمر سيارتهما في حشرة سيرٍ تُضيّع على الراهب المقاوم وقتًا ثمينًا، فكان الأب العام يُفلِتُ زمّوره ولسانه ..فينال من الأب شينا عقوبَةً فوريَّةً مؤلَّفةً من كلمتين صارمتين: «تأدَّب يا راهب!».
ومن المآثر المؤثِّرة جدًا بمعناها النذوري التي جرت بين الأب العام شربل قسّيس وأخيه ومِثاله الأب أنطونيوس شينا:
ـ كان الأباتي في زيارةٍ مقاوماتيّةٍ إلى حاضرة الفاتيكان يردُّ عنه الوشايات به إلى قداسة الجالس على كرسي بطرس المصلوب صلبًا رومانيًا مقلوبًا.. وقبل عودته إلى لبنان إشترى حذاءين إيطاليين هديةً لأخيه شينا، وقد كان يعلم أنّه لم يُغيِّر حذاءه منذ أكثر من عشرين عامًا. وعند الوصول إلى الوطن واللقاء، بادر الأخ بتقديم الهدية الأخوية فعاند الأب شينا قبول هدية الأب العام الذي بادره ببعض عصبية:
– صرلك أكتر من عشرين سنه يا بونا مطانيوس لابس ذات هالصبّاط الأثري، خبّرني بعد ما تغيّرت نمرة إجرك من عشرين سنه لليوم؟؟
ولم يكن عند بونا مطانيوس لرئيسه العام إلاّ هذا الجواب:
– لِّ بعرفو ومتأكَّد منّو يا قدس الأب العام بأن نمرة ندر الفقر الرهباني ما تغيّرت ولا بتتغيّر!!!
مؤسس الرهبانيات اللبنانية المارونية الأب العام عبدالله قراعلي جمع جوهر تاريخ وأهداف ومزايا ومهمات رهبانيته الناشئة بكتابٍ هو من النفائس الرهبانية بلاهوتها وناسوتها الإنجيليين بعنوان :»المصباح الرهباني»، فكانَ أخاه الأب أنطونيوس شينا الحبيس أحد ألمع وأثمن هذه المصابيح الممتلئة زيتًا!!
سرديات عن الأب شينا
قليلون الذين يعلمون بأنَّ الأب أنطونيوس شينا بصفتيه الرهبانية والنسكية كان مُعارضًا بشدة لنهج إرسال رهبانٍ إلى بلدان الإنتشار بهدف فتح أرساليات وأديارٍ على الرغم من صوابيَّةِ منطقِ هذا النّهج الظاهر والمُعلَن…
أنطونيوس الرهبانية وشيناها كان يخشى الأغتراب الرهباني عن حصونه الديرية اللبنانية التي خَرَّجَت رهبانًا صناديدَ برارةً وطوباويّة وقداسة وهم لم يُغادروا أبعد من سياج كروم الرب في أديارهم من نعمة الههم إلى شربلهم إلى رفقاهم إلى إسطفانهم والعديد العديد من الربوات الرهبانية الملائكية لكنهم جذبوا العالم إلى لبنان.
وأنطونيوس الرهبانية اللبنانية وشيناها كان يتهيّبُ أندماج الرهبان اللبنانين المُغتربين بكلِّ ما هو لمرتا الأميركية ومرتا الأوروبية ومرتا الأفريقية.. مُلحقين برهبانيتهم تَبِعاتِ ويلاتِ آية “الويل لمن تأتي على يدهم الشكوك”، وقد أصابت هواجس الأب شينا الرؤيوية في أماكن وأزمنةٍ عديدة!!
السيرة الذاتية:
– مواليد بقرقاشا جبة بشراي 12 حزيران 1920.
– دخل دير قزحيا 14 حزيران عام 1932.
– لبس فيه ثوب الإبتداء 22 حزيران 1935.
– أبرز نذوره الرهبانية وتوشّح بالإسكيم الرهباني في دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان يوم عيد إنتقال العذراء 15 آب عام 1935.
– نذر نذوره المؤبدة الإحتفالية في دير سيدة مشموشة يوم 25 أيلول 1943.
– سيامته كاهنًا في كاتدرائية ستراسبورغ 16 تموز 1952.
– بين أعوام 1952- 1958 تابع دروسه اللاهوتية ونال شهادة دكتوراه في اللاهوت من جامعة الغريوريانا روما.
– معلم المبتدئين بين دير سيدة النصر ـ نسبيه غوسطا ودير سيدة المعونات جبيل من عام 1958 حتى عام 1968.
– كان مدبّرًا عامًا زمن رئاسة الأب العام بطرس قزي بين أعوام 1968 و1974.
– بين أعوام 1974 – 1977 راهب ديري في دير سيدة النجاة بصرما، وأستاذ اللاهوت الأدبي في إكليركية مار أنطونيوس البادوي – كرم سدة.
– رئيس دير مار أنطونيوس قزحيا أعوام 1977 – 1982.
– دخوله محبسة مار بولا غبتا التابعة للدير يوم أحد العنصرة 30 نوّار 1982.
– 3 كانون الثاني 2009 يوم صعوده إلى ملكوت المحابس السماوية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]