أكثر من أي يوم مضى منذ اندلاع الأزمة في سوريا، يمكن القول إن "مرحلة الوجع" قد بدأت. وليس في الأفق ما يوحي بتسوية بين النظام والثائرين عليه، هذا مؤكد!
لكن الواضح أيضا أنّ الحسم ليس معروفا موعده، وإن كان عامل الوقت يوحي في وضوح بأرجحية خيار سياسي جديد لسوريا، يقوم على تراكم عقود من النظام السياسي الجامد.
في تقدير عدد من الباحثين في مكاتب الدراسات الغربية والخبراء في الشأن السوري، لن يكون التغيير مجرد نزهة في سوريا، ويبدو أنّ المسار الدموي الذي تبرز ملامحه تصاعديا، يوما بعد يوم، يؤشر إلى بداية مواجهة بين النظام والمنادين بإسقاطه، قد تطول أشهرا. وكلام الوزير السابق وئام وهّاب الأخير في هذا المجال يبدو منطقيا في الدلالة إلى ما تتّجه إليه الأزمة.
توقّع وهّاب أن "تجرّ" الأزمة عاما على الأقلّ، وأن تتجه إلى الفوضى. وهذا السيناريو شبيه بالسيناريو الليبي، وهو يرشّح سوريا لمأزق خطر، ولا يبدو تحذير وهّاب، أيا كانت الغايات السياسية منه، بعيدا من تحذيرات عدد من الأوساط التابعة للملف.
وفي تقدير هذه الأوساط إنّ المأزق يعود إلى طبيعة الصراع الدائر اليوم، وأبرز عناصره الآتي:
1 – فشل الحوار في سوريا بسبب استحالتين: الأولى هي أنّ الحوار الذي يرعاه النظام مضبوط بحدود عدم المسّ بالستاتيكو القائم. فالرئيس بشار الأسد لم يستطع أن يتجاوز الجدار السميك الذي يتيح له نفسيا تقديم التنازلات الجذرية، فاختار المواجهة بالنار لعلها تكون البديل الناجع؛ والثانية هي أنّ المعارضين أنفسهم لم يعُد يكفيهم الحوار مع النظام ولا حتى المطالبة بالإصلاح.
ولن يقبلوا بعدما تطور الوضع إلى هذا الحدّ إلّا بإسقاط النظام. فالطرفان يخوضان معركة من أجل البقاء، ولو انتهت بـ"قاتل أو مقتول".
2 – ليس هناك ما يوحي بتدخل خارجي عسكري يسرّع الحسم. وهذا ما أكّده مسؤولون أوروبيون وأميركيون أخيرا. كما أنّ مجلس الأمن الدولي الذي باشر حديثا جلساته للبحث في الملف، لن يكون قادرا على اتخاذ خطوات سريعة وفاعلة. ومعلوم أنّ التدخل العسكري الذي تمّ اللجوء إليه في ليبيا لم يتمكن من إنقاذها من الحرب الأهلية الدائرة، ولا يمكن تقدير المدى الزمني الذي سيستغرقه النضال لإسقاط العقيد معمر القذافي، وما هو الثمن الذي ستتكبده ليبيا للوصول إلى هذا الهدف.
3 – هناك تفاوت بين "الثوار" والقوى الدولية التي تدعمهم. فهذه القوى انتقلت تدريجا من المناداة بإصلاحات تحت سقف النظام إلى الدعوات "الخجولة" حتى الآن لـ"عزله". فيما تجاوز الشارع السوري هذه الخطوط إلى ما يشبه العصيان الكامل، والذي لن يتراجع إلّا بإسقاط النظام.
وثمة مراجع دبلوماسية تؤكد هذا الخلل، وتعترف بأنذ له انعكاسات سلبية على عملية التغيير الجارية في الداخل السوري نحو الديمقراطية. لكنّها تردّ أسباب هذا الخلل إلى عدم وجود مرجعيات داخل المعارضة السورية قادرة على أن تحظى بالدعم وتحمّل المسؤولية بعد سقوط النظام. وهذا هو المبرّر الأساسي لتباطؤ السعي الغربي إلى التغيير. والنظام يدرك هذا الواقع، ويستفيد منه في محاولاته لاستيعاب "الثورة".
4- يحاول النظام أن يقدّم نفسه مرّة جديدة أمام المجتمع الدولي ودول الجوار، حارسا للاستقرار. وهو الدور الذي لطالما استثمره عبر عشرات السنين مقابل الاستمرار في الإمساك بأوراق إستراتيجية عدة. وعلى رغم الاحتمالات الضعيفة لقبول المجتمع الدولي ودول الجوار هذه المقايضة مجددا، فإنّ النظام يفعّل ما له من رصيد دولي في هذا المجال. ويدفع ذلك بعض القوى الفاعلة إلى التريّث في إعطاء النظام فُرصا، ربما تمكّن فيها من النجاة.
هذه المعطيات تلقي بظلال داكنة فوق سوريا، وربما لبنان أيضا إذا لم يدرك الفريق الحليف للنظام مخاطر خوض معاركه اللبنانية وفقا للتوقيت السوري. فالمشاهد الأخيرة من المواجهة السورية اختلطت فيها العوامل السياسية بالطائفية والاجتماعية، وتأثّرت بالاعتبارات والمصالح الخارجية المتناقضة.
وقد تصحّ نبوءة الوزير السابق وهّاب مع ما تحمله من مخاوف، ما لم يدخل على اللعبة ما يفكّ عنها "سِحر" الفتنة.
إنها سخرية الأقدار في العالم العربي: الأنظمة أم الفتنة؟ الحرية أم السلم الأهلي؟ نموذج صدّام ومبارك أم نماذج أخرى؟