ممتازة ومميّزة ومحترمة وبنت أصول الخطوة التي خطاها لبنان باتجاه استثمار ثرواته النفطية والغازية المدفونة تحت سطح البحر.. ولا جدال في ذلك، ولا إمكانية للتبسيط في هذا الشأن المصيري الحيوي الذي يهم كل اللبنانيين من دون استثناء أو تمييز أو تعيير أو تنقير.
لكن لأنها كذلك تماماً بتاتاً، وعلى ذلك القدر من الأهمية والمركزية وعلى الصعد الخاصة بالكيان الوطني وأهله، وبحاضره وحاضرهم، ومستقبله ومستقبلهم، فهي تحمل من الإضاءات المشعّات بقدر ما تدلّ وتذكّر بسياسات نظام الوصاية السابق وملحقاته الحالية وأكلاف تلك السياسات..
خطوة فيها إدانة بقدر ما فيها إشادة وتشاوف وإنجاز، تدلّ في أوّلها قبل آخرها، إلى "طبيعة" المواجهة مع ذلك النظام الأمني، التي تُستعاد في أيامنا "المجيدات" هذه بأدوات بائسة، وبعدّة ناقصة، وفي زمن مختلف عن الذي كان وراح.. مرة واحدة وإلى الأبد.
قبل أيام، حكى الوزير السابق محمد عبدالحميد بيضون في هذه الجريدة عن أنّ الملف النفطي اكتشف في العام 2002، لكن لأنّ الحقود المشهود ونزلاءه وجنرالاته وأوصياءه "خافوا" من تأثير الخطوة إيجاباً على صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أجهضوها في أرضها وبحرها.. فيما بدأت إسرائيل منذ ذلك الحين، وربما قبله، في التحضير لاستثمار ذلك الصيد الوفير من أرزاق البحر!
هم ذاتهم، حلفاء ذلك الزمن الأسود، والوافدون الجدد إلى دنياهم وممانعتهم، يدبّون الخطى راهناً لتعويض ما فات، واللحاق بزمن النفط والغاز، مؤكدين في المحصّلة أنّ أداءهم في مجمله كان ولا يزال يسخّر كل شيء لخدمة مشروعهم السياسي وليس العكس. بحيث أنّه في اطار ذلك، كان مسموحاً حرمان لبنان من مُعطى استراتيجي خطير وكبير مثل استثمار مخزون الطاقة ذاك، وتأثيراته الحاسمة على التنمية والمديونية ومستوى عيش اللبنانيين وجهود معالجة بلاياهم الخدماتية، فقط كي لا يُقال إنّ كل ذلك تمّ في وقت كان رفيق الحريري رئيساً للحكومة!
غير ذلك العشرات من الأمثلة الفظيعة التي تدلّ إلى أن التخريب الممنهج لكل المشاريع التنموية الحيوية والأساسية والعامة، كان صنواً متمّماً للمشروع السياسي الممانع الآيل إلى تحطيم أي توجّه لإعادة لبنان إلى سوية طبيعية تخرجه من خانة الساحة المستباحة، أو صندوق البريد المصبوب من دماء أبنائه وأرزاقهم ومصالحهم!
في بيان الضمير، وحسبة توزيع المسؤوليات بالعدل والقسطاس وميزان التاريخ، يتحمّل الممانعون عندنا وأسيادهم خلف الحدود، الجانب الأكبر والأخطر من التبعات المريرات التي عانى ويعاني منها اللبنانيون على الصعد التنموية والمالية والاقتصادية العامة. كما على الصعيد السياسي المفتوح على توتر يبزّ توتراً، وانقسام يلي انقساماً، وتشظٍّ ينطح تشظياً أقسى وأمرّ وأصعب وأسوأ.. حالة عامة، أُريد لهذا البلد المنكوب ببعض أساطينه أن لا يخرج منها على الاطلاق، بل أن يبقى معلّقاً كما هو على حبال تؤرجحه بين السيئ والأسوأ: دولة غير مكتملة. نظام مشوّه. دستور معلّق. أمن مزدوج. جيش مكربج. قضاء ملتبس. مناخ سياسي متفجّر دائماً وأبداً. بيئة مستباحة ومنتهكة. مشاريع عمران ناقصة وممنوعة. مطالب نقابية مطّاطة تستخدم غبّ الطلب في العراك السياسي.. إلى غير ذلك من أداء يبرّر في ختامه الكئيب، كل الصلف والاستبداد والابتزاز الموضوع تحت شعار الممانعة ومشاريعها!
… ثم قبل ذلك وبعده وفوقه، وفي كل حين: رحم الله رفيق الحريري، وحمى لبنان من بعض مدّعي حماية مصالحه!