غادر داود أوغلو سوريا بحمل أثقل من الذي جاء به.. اللغة المعلنة مسبقاً من بثينة شعبان والتسريبات التي رافقت محادثاته مع قيادة دمشق وتلتها مباشرة كشفت عن تأكيد المنحى الصدامي المتجه صعوداً في الداخل والخارج.
لا جديد في الشق الداخلي. ولم يكن ممكناً لأي حسبة بسيطة أو عويصة، أن توصل بأصحابها الى توقع تلبية نظام الأسد المطالب المرفوعة في وجهه منذ خمسة شهور،فتلك لا تعني إلا نزوله صاغراً عن منصته، وتفكيك ذلك البنيان بيديه، فيما هو بنيان سلطوي أكبر من تلك اليدين حتى لو أرادت الدكّ بأساساته، وهي لا تريد، ولم ترد في الأصل.
وواهم من كان يفترض ان استجابة المطالب الداخلية هي بند أُخذ في الاعتبار في دمشق، منذ اللحظات الأولى،ومن كان يشدّد من الخارج على الأخذ به، ويدعو الأسد إليه، فعل ذلك رغم انه كان يعرف ولا يزال يعرف، ان التركيبة القائمة في الحكم السوري أعقد بما لا يُقاس من تلك التي انهارت أو تكاد، في غير دولة عربية ،وحتى انها أعقد من تلك التي قامت في دول سبحت في فضاء الاتحاد السوفياتي (المرحوم) وعندما هبط على الأرض هبطت معه، وأصابها ما أصابه من تفتيت معروف.. سوريا، في الأربعين سنة الماضية شكلت حيثية قائمة بذاتها. نظام حكمها لم يكن يشبه إلا نفسه وصنوه نظام البعث العراقي الى حد كبير. وبالتالي، فإن تركيبة كهذه، لا تحتمل خلل التحدي، ولا تعرف الاستجابة إليه إلا بلغة مختلفة تماماً عن أي لغة أخرى في مصر أو تونس أو اليمن أو المعسكر الاشتراكي السابق، أو في أي دولة حديثة في طول الدنيا وعرضها.
الخلل الأول كان في ذلك المنحى، وفي القراءة الخاصة لنظام دمشق لأحوال العصر. لا يريد الانتباه (وحتى لو أراد لا يستطيع) الى آليات الحداثة التي تواكب الثورة عليه. لا يزال يفترض ان توليفة الأمن والرصاص، التشدد التام، والقسوة المفرطة، والتعتيم الإعلامي الاقفالي، ثم الشطارة في بيع أدوار إقليمية والتخويف من البدائل داخلياً.. كل هذه التوليفة يمكن ان تعيد إنتاج "انتصار" كالذي حصل في العام 1982 رغم كثرة الافتراق في التفاصيل.
لم ينتبه ذلك النظام الى أن الدنيا التي نشأ في رحمها وظلّها تغيرت في التكنولوجيا والبشر. وعندما صدمته نتائج المقاربة الأمنية قرر واعياً أن لا يتراجع، بل أن يخوض المعركة حتى النهاية.. المفاجئ له ولغيره ولكل من يراقب ما يحصل، هو ان الطرف الآخر، أي شعب سوريا قرر بدوره أيضاً أن لا يتراجع.
العصبة المسلحة لا تقوى على جيش النظام وأجهزته الأمنية، لكن ذلك الجيش وتلك الأجهزة لا تبدو بدورها قادرة على كبت وضبط انفلات شعبي كاسح من أول سوريا الى آخرها.
في الشق الخارجي، كانت الأمور أهدأ قبل أن تتكفل ممارسات النظام في إشعالها، حتى منذ ما قبل إنطلاق الثورة الراهنة. العلاقة بالأتراك كانت مرّت في شهر عسل بشهده فعلياً وواقعياً وكذا العلاقة بغير طرف عربي وحتى مع الفرنسيين خصوصاً والأوروبيين عموماً. وكان الوضع اللبناني أساسياً في تلك التركيبة، الى أن تكفّل النظام وحساباته وطريقة مقاربته للأمور في إشاحة الغشاوة عن الوهم وإظهار الحقائق كما هي. لم "يتآمر" نظام على نفسه كما فعل ويفعل نظام سوريا! ولم تنجح قوى خارجية في استهدافه كما فعلت وتفعل سياسات وقراءات النظام نفسه به.. ويبدو ان المقولة التي نُسجت عن السلف يمكن أن تركب على الخلف عندما يكون النظام ضعيفاً لا يتراجع، وعندما يكون قوياً لا يتنازل!
المعضلة الفعلية هي ان الدنيا تغيرت لكن تلك المقولة باقية في مكانها.. والنتيجة الحتمية هي زلزال بعشر درجات من الصعب على أساسات أي بناء أن تصمد فيه حتى بناء سلطة البعث.. وبالإذن من حضرتكم عزيزنا أوغلو باشا.