
في أعقاب ثورة كانون الثاني 2011، شهدت شبه جزيرة سيناء نشاطا متزايدا للجماعات الإرهابية، مما أسفر عن مقتل المئات من الضباط والجنود المصريين خلال العقد الماضي.
ومع وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سدة السلطة في مصر بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين، شن الجيش المصري حملة كبيرة على الجماعات الإرهابية في سيناء باستخدام عشرات المعدات العسكرية الثقيلة.
وفي الذكرى الـ55 لحرب 5 حزيران 1967، التي احتلت بعدها إسرائيل سيناء بالكامل حتى استردتها مصر بعد حرب تشرين الأول 1973 واتفاقية السلام بين الطرفين، يرى مقال تحليلي لمساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى سابقا ديفيد شينكر، في مجلة فورين بوليسي، السبت، أن هذا التسليح يحول سيناء “لبرميل بارود على الحدود بين مصر وإسرائيل”، ويخالف اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1978.
وذكر شينكر أن التعاون المصري الإسرائيلي على “الانتهاكات الجسيمة” للملحق الأمني لمعاهدة السلام الذي يحد من عسكرة سيناء، لعب دورا كبيرا في النجاح الذي حققته القاهرة في هزيمة التنظيمات الإرهابية في شبه الجزيرة.
“غيرت الوضع الراهن”
كان شينكر يعمل مساعدا لوزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى سابقا في عهد إدارة دونالد ترامب، كما عمل في السابق في مكتب وزير الدفاع كمدير شؤون دول المشرق، والمساعد الأعلى في سياسة البنتاغون الخاصة بدول المشرق العربي.
وكان مسؤولاً في هذا المنصب عن تقديم المشورة إلى وزير الدفاع وكبار قادة البنتاغون حول الشؤون السياسية والعسكرية للمنطقة، ويتولى منصب مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن، وله عدد من الكتب والمؤلفات عن المنطقة، منها “الرقص مع صدام” و”الديمقراطية والحوكمة الفلسطينية”.
وأشار شينكر إلى أن إسرائيل سمحت للقاهرة بإغراق سيناء بالقوات والمعدات الثقيلة التي تتجاوز بشكل كبير حدود المعاهدة، كما سمحت مصر للطيران الإسرائيلي بالتحليق فوق شبه الجزيرة.
وقال شينكر، الذي يعمل كزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى “في حين أن عمليات الانتشار هذه كانت لا غنى عنها للحملة المصرية ضد تنظيم داعش، فقد غيرت أيضًا – ربما بشكل لا رجوع فيه – الوضع الراهن في سيناء”.
من جانبه، استبعد المحلل السياسي الإسرائيلي إيلي نيسان، هذه الفكرة، وقال إنه بعد انتشار تنظيم داعش في سيناء، تعالت الأصوات المطالبة بتعديل اتفاقية السلام للسماح للقوات المصرية بمحاربة التواجد في شبه الجزيرة ومحاربة التنظيم الإرهابي.
وأكد نيسان في حديثه مع موقع “الحرة” أن ما حدث من انتشار للمعدات العسكرية لمصر في سيناء جاء بناء على تفاهمات وتوافقات بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، مشيرا إلى أن داعش لا يهدد أمن مصر لوحدها بل يهدد أمن إسرائيل أيضا.
ولفت إلى أن العلاقات الاستراتيجية والسياسية بين مصر وإسرائيل تشهد تطورا كبيرا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ويتفق الخبير العسكري العميد سمير راغب، مع هذا الرأي، مشيرا إلى أن أي إدخال للقوات عسكرية تم بناء على اتفاق بين مصر وإسرائيل، وتعديل في الملحق الأمني لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.
وأكد راغب في تصريحات لموقع “الحرة” أن بعض التعديلات دائمة وبعضها مؤقت بناء على الوضع في سيناء وبتصديق من الطرفين ينتهي عندما تنتهي الحاجة الملحة لها.
ولفت إلى أن مصر كانت تسعي من عملياتها في سيناء وتواجد القوات العسكرية، حماية أمنها وليس استهداف إسرائيل.
ونقل شينكر عن مسؤول رفيع المستوى سابق على إطلاع بالوضع، أن ضباط الجيش المصري اتصلوا بنظرائهم الإسرائيليين بشكل مباشر ومن خلال القوة متعددة الجنسيات والمراقبون في سيناء (MFO)، وهي المنظمة الدولية التي تم إنشاؤها لمراقبة الامتثال للجوانب العسكرية للمعاهدة، من أجل طلب بعض الاستثناءات من الملحق الأمني للاتفاقية حتى تتمكن من الرد على الهجمات الإرهابية المتتالية.
“تهدد اتفاقية السلام”
ويقسم الملحق الأمني لاتفاقية السلام شبه الجزيرة إلى 3 مناطق، وينص على أنه يمكن لمصر نشر فرقة مشاة ميكانيكية واحدة فقط بما يصل إلى 22 ألف جندي و230 دبابة و480 عربة أفراد مدرعة في المنطقة “أ”، المنطقة الأقرب إلى قناة السويس.
ويُسمح فقط لحرس الحدود والشرطة بالتواجد في المنطقتين “ب” و “ج”، على التوالي، الأقرب إلى إسرائيل.
وفي العقد الأخير، قدمت مصر مئات الطلبات لتجاوز قيود المعاهدات على الجنود والأسلحة – ووافقت إسرائيل على كل منها، وفقًا لمسؤولين حاليين وسابقين.
وقبل أربع سنوات، أفاد رئيس الأركان المصري آنذاك محمد فريد حجازي أن 24630 جنديًا يشاركون في عمليات مكافحة الإرهاب في شمال شرق سيناء، بالإضافة إلى حوالي 20 ألفًا يتمركزون في أماكن أخرى من شبه الجزيرة، لكن بعض تقديرات المحللين أعلى بكثير، بحسب فورين بوليسي.
وفي تشرين الثاني 2021، أعلنت مصر وإسرائيل توصلهما إلى اتفاق لزيادة القوات الحدودية المصرية في الجزء الشمالي من شبه جزيرة سيناء، حيث تحارب الإرهابيين منذ سنوات، بحسب أسوشيتدبرس.
ونقل كاتب المقال عن ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق إيلي ديكل، قوله إن الانتشار المصري الإجمالي في سيناء بثلاثة أضعاف العدد الإجمالي المسموح به بموجب المعاهدة، وما يقرب من ثلثيهم يعملون في المنطقتين ب و ج، بحسب صور الأقمار الصناعية التجارية المتاحة التي اطلع عليها.
وقال شينكر “بافتراض أن هذه الأرقام ذات مصداقية عن بعد، فإن مصر لديها اليوم في سيناء على الأقل ضعف عدد القوات المسموح به أصلاً في معاهدة السلام، ويعمل نصفهم في مناطق محظورة. هؤلاء الجنود مجهزون بالمدفعية والمركبات التي لا تسمح بها المعاهدة أيضًا، بما في ذلك ما يقدر بنحو 200 دبابة إضافية بخلاف 230 دبابة مسموح بها في المنطقة أ، وفقًا للعديد من المسؤولين الحاليين والسابقين. لكن كل هذا يتم بموافقة إسرائيل”.
ولفت إلى أن الأمر الأكثر إثارة للقلق “هو ما فعلته مصر دون موافقة إسرائيلية، بما في ذلك بناء قواعد عسكرية ومهابط جوية مثل بناء معسكر دائم للكتيبة 101 في العريش، وبناء 3 مطارات عسكرية في سيناء، على الرغم من أن المعاهدة تنص على أنه لا يمكن بناء سوى المطارات المدنية”.
وبحسب ما نقل كاتب المقال التحليلي في فورين بوليسي عن صور الأقمار الصناعية المتاحة تجاريًا، “يبدو أن إحدى هذه المرافق هي قاعدة ميليز الجوية في المنطقة ب، وتشتمل على مخابئ ذخيرة وتخزين وقود تحت الأرض وثمانية ملاجئ طائرات محصنة قادرة على خدمة نصف سرب من طائرات إف -16 التابعة للقوات الجوية المصرية”.
كما أشار إلى أن مصر أنشأت “مقر قيادة في سيناء للجيشين الثاني والثالث، وكذلك مقرًا للقيادة الموحدة لشرق القناة، التي تدير عمليات مكافحة الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، بالإضافة إلى بناء منشأة بحرية كبيرة في شرق بورسعيد داخل سيناء”.
“لا تعيشان حالة ما بين الحروب”
بدوره، نفى راغب بناء مصر مطارات عسكرية في سيناء، موضحا “تم الاتفاق على تواجد طائرات ذات أجنحة ثابتة لدعم العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب، في حين أن مقر القيادة الغرض منه إدارة عمليات مكافحة الإرهاب والتنمية في سيناء”.
كما أكد أن الدولتين لا تعيشان حالة ما بين الحروب، بل تعيشان حالة من السلام ولا يوجد نية لأي طرف الدخول في أي صراع عسكري جديد، مؤكدا أن فكرة الصراع العربي الإسرائيلي انتهت وأغلب دول الجوار مع إسرائيل تعيش في حالة سلام.
ولفت إلى وجود اتفاقيات اقتصادية وتجارية كبيرة وازدهار العلاقات بين البلدين.
وأكد أن مصر كانت بحاجة إلى هذه المعدات العسكرية لكبيرة لمحاربة تنظيم إرهابي كان في حجم حيش، وأن إسرائيل استفادت بحماية حدودها ومنع تتدفق الإرهابين إلى الجهة الأخرى في جنوب غزة، وبالتالي حماية أمنها.
وقال شينكر “كلما طالت مدة بقاء القوات المصرية الإضافية في سيناء، خاصة الآن بعد أن بدا تنظيم الدولة الإسلامية تحت السيطرة، ازدادت صعوبة العودة إلى القيود التي فرضتها المعاهدة”.
وأضاف أن “إسرائيل على علم بهذه التطورات ومن المرجح أنها أثارت المخاوف مع القوة المتعددة الجنسيات، ولكن بالنظر إلى تحسن العلاقات مع مصر، فإنهم يترددون في الضغط بشدة ولم يتقدموا بشكوى رسمية”.
وتابع “مصر تخلق حقائق على الأرض في سيناء سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تغييرها”.
وذكر شينكر أنه على الرغم من أن “العسكرة الحالية لسيناء تأتي في وقت تزدهر فيه العلاقات المصرية الإسرائيلية، فإن التاريخ يقول إن هذا يمكن أن يتغير بسرعة، خاصة أنه لم يمض سوى أقل من عقد من الزمان عندما أوصلت الثورة المصرية رئيس إسلامي للسلطة معاد لإسرائيل”، على حد وصفه.
وأكد أن قيود المعاهدة على الانتشار العسكري في سيناء عززت السلام، مضيفا أنه بمرور الوقت يمكن أن تهدد هذه الانتهاكات المصرية سلامة المعاهدة للخطر.
لكن راغب يرفض هذا الرأي، ويؤكد أن مصر تتعامل مع الاتفاقية كدولة بغض النظر عن الأنظمة التي تحكم.
وقال إن في ظل تطور الصواريخ والطائرات والأسلحة الحديثة لم يعد وجود مثل هذه القوات مهما لإحداث فارق في أي حرب أو تحقيق المفاجأة.
وأكد نيسان أنه بعد هزيمة داعش والسيطرة على الوضع بالكامل، ستطلب إسرائيل من مصر الالتزام بالمعاهدة وتخفيف معداتها العسكرية في سيناء.