الابتسامة غير المنجزة
لا يرقى ظُرْف الوزير السوري وليد المعلم الى مستوى حِرَفيته الديبلوماسية التي لم يقصر يوماً في اظهارها. واللبنانيون اعتادوا الابتسامة المعلقة على وجهه والتي تترك لسامعه، وليس لناظره، أن يقرر ما اذا كانت علامة ود او اشارة تشَفٍّ، تبعاً لما سينطق به، وهذا ما كانت الحال عليه امس حين علّق على موضوع تظاهرة اهالي المعتقلين والمفقودين اللبنانيين في سوريا، اذ ارفق ابتسامته الأبدية غير المنجزة بالقول انه لم يُحضر معه "اهالي المفقودين السوريين في لبنان" لينفذوا اعتصاماً مماثلاً.
لم يكن التهكم بعيداً عن لهجة الوزير. واذا كانت ابتسامته ونطقه بتلك العبارة لم يكفيا للاشارة الى ذلك، فان قوله بمفقودين سوريين في لبنان لا يؤشر الى أمر آخر. فالشعب السوري، كما اللبناني، يعرف اننا كنا شعباً واحداً في بلدين منذ بداية الحرب اللبنانية الى يوم 26 نيسان 2005 بقوة نظام الوصاية وطريقة تعامله مع "مواطنيه". ولا ينفي مرحلة هذا النظام و"انجازاته" حرص الوزير على اعتباره "وهماً عند البعض"، كما لا يلغي هذا التهكم إقرار اللبنانيين بتضحيات السوريين لوقف الحرب الأهلية اللبنانية من دون التغاضي عن مصالح النظام الاستراتيجية وصفقاته الاقليمية والدولية التي دفع الشعبان اثماناً عالية في مقابلها. كذلك يعرف الشعبان ان الكلام على مفقودين سوريين في لبنان لم يرتفع الا بعدما تفلتت المطالبة بالمعتقلين اللبنانيين في سوريا من قيود نظام الوصاية، وكأنها محاولة منه لإيجاد توازن في الضرر وبالتالي إسكات المطالبة اللبنانية.
استظراف الوزير فكرة احضار اهالي "المفقودين السوريين" لم يرق الى مستوى حنكته الديبلوماسية. وهذه على رغم علوّ كعبها، لم تخف عن المراقب ان الطريق طويلة الى تحقيق ما انطوت عليه من افكار تحت مظلة زيارة الرئيس ميشال سليمان الى دمشق تلبية لدعوة نظيره السوري التي تلبي بدورها ما اتفق عليه الأخير مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بغطاء قطري خلافاً لما قاله زائر بعبدا عن العلاقات اللبنانية – السورية "وعدم القبول" بطرف ثالث يتدخل فيها.
فالعلاقات الديبلوماسية تنتظر زيارة رئيس الجمهورية لدمشق، حسب قول الوزير. لكن ما بعد الصعب، وهو الزيارة، لا تأتي الحلول بل الصعوبات. وكلام الوزير في المؤتمر الصحافي يشير اليها لمن يريد ان يراها، اذ يربط صعوبة تحديد مدة زمنية لفتح السفارتين بما يسميه "خلافات في هكيلية العمل الحكومي في لبنان"، بما يذكر بالشجرة التي تخفي الغابة. ولا يكفي لدحض هذا التذكير القول إن الرئيس الفرنسي لن يزور دمشق في ايلول المقبل قبل بت موضوع التبادل الديبلوماسي. فالوقائع في المنطقة، من الملف الايراني النووي الى المفاوضات السورية الاسرائيلية في اسطنبول، ولقاء باريس اللبناني الرباعي، تشير الى مرحلة انتظار تدخلها المنطقة لا يريد اي من الاطراف في اي من القضايا العالقة، ولا يمكنه أساساً، أن يحسم الأمور خلالها، لما يجبر الجميع على "ستاتيكو" يلجم الخسائر لدى بعضهم، ويحول دون تعزيز الارباح لدى بعضهم الآخر.
ما ستشهده العلاقات اللبنانية – السورية، في انتظار الرئيس الاميركي الجديد، لن يكون أكثر من ابداء دمشق نية العمل واشارات التنفيذ. ومن يستعجل بت فتح السفارات وترسيم الحدود واعادة النظر في الاتفاقات، مدعو لأن يتذكر أن لبنان في قلب قضية الشرق الاوسط، وان احد الاسباب الرئيسية لدخوله الحرب الاهلية – العربية – الدولية كان تحويله ورقة تجاذب، كان احد اوجهها دخوله مفاوضات مدريد على رغم تمسكه باتفاق الهدنة مع العدو الاسرائيلي وعلى رغم القرار 425 الاممي. ومن اوجهها اليوم حال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
المنطقة تعيش مرحلة تجزية الوقت لاستحالة الحل والصدام معاً.
لبنان ليس خارج المنطقة مما يعطي كلام الرئيس نبيه بري على ربيع يمكن ان يمتد الى الربيع معنى جدياً. ويعطي المنطقة ككل، ولبنان منها، هدوءاً يشبه ابتسامة الوزير غير المنجزة، أو الحائرة بين الود والتشفي.