العالم على موعد في العام المقبل مع حدثين على درجة كبيرة من الأهمية. الحدث الأول هو انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة. فاذا فاز الرئيس الحالي باراك أوباما بولاية ثانية وهو أمر يبدو صعباً جداً، فلن تطرأ متغيرات جذرية على السياسة الخارجية الأميركية، ولكن اذا فاز مرشح الحزب الجمهوري، وهو حزب أكثر يمينية، وأشد تطرفاً، فان المتغيرات التي سوف تفرض نفسها بالضرورة لن تقتصر على الداخل الأميركي، ولكنها سوف تتجاوز ذلك الى العالم كله.
الحدث الثاني هو انتخاب رئيس جديد للاتحاد الروسي. ومن المرجح أن يكون الرئيس القادم هو الرئيس الأسبق فلاديمير بوتين. وهو رئيس عرف عنه في السابق ويعرف عنه اليوم، بأنه من الصقور المتشددين خاصة في نظرته الى الولايات المتحدة والى حلف شمال الأطلسي.
ولذلك فان العالم يستعد منذ الآن لمواجهة سيناريو يكون البطلان في ادائه رئيس روسي متشدد هو بوتين، ورئيس أميركي متطرف جمهوري. والرئيسان في واشنطن وموسكو قد يجران العالم الى حرب باردة جديدة.
وربما تشهد هذه الحرب الباردة كما شهدت سابقتها، التي استمرت خمسين عاماً، سلسلة من الحروب والصراعات الدموية الاقليمية. وكان الشرق الأوسط أحد هذه المسارح في فترة ما بين عامي 1950 و 1990، وهو مرشح لأن يكون أحد هذه المسارح أيضاً، بل ربما أحد أهمها في الفترة المقبلة.
يساعد على ذلك المتغيرات التي تعصف بالعديد من الدول العربية. من هذه المتغيرات ما يجري على نار حامية مثل ليبيا وسوريا واليمن، ومنها ما يجري على نار باردة مثل مصر وتونس والمغرب والبحرين، ومنها من ينتظر.
ان التباين الجذري بين موسكو وواشنطن في التعامل مع هذه المتغيرات يجعل من دول المنطقة العربية مسرحاً أساسياً من مسارح الصراعات الاقليمية التي قد تطلقها الحرب الباردة المقبلة.
فالكرملين عارض تدخل حلف الأطلسي في ليبيا، كما يعارض محاولات واشنطن ادانة سورية في مجلس الأمن الدولي. وهو يحمّل الادارة الاميركية مسؤولية صب الزيت على نار الثورات او الانتفاضات الشعبية المتأججة، ويتهمها بمحاولة استثمارها لاعادة بسط نفوذها في المنطقة وهيمنتها عليها. وفي نظر الكرملين ان فشل تجربة التدخل العسكري المباشر التي قامت بها الولايات المتحدة في العراق، تحمل الادارة الأميركية على استخدام وسائل التدخل غير العسكري وغير المباشر لبلوغ الهدف ذاته.
وهناك صراع روسي أميركي حول ايران وملفها النووي. فالحزب الجمهوري الأميركي أوثق تحالفاً مع اسرائيل، وهو تالياً أكثر استجابة لمطالبها الملحة بتوجيه ضربة عسكرية الى ايران قبل أن تنتج سلاحاً نووياً. ومع أن روسيا لا تؤيد امتلاك ايران سلاحاً نووياً فانها تعارض توجيه اي ضربة اليها. بل انها تواصل مساعدتها في تطوير صناعتها النووية وفي تزويدها باليورانيوم. ولذلك فان ايران مرشحة لأن تكون أحد مسارح الصراع الروسي الأميركي في عهد ما بعد الرئيسين ميدفيديف وأوباما !.
إن عودة بوتين الى الكرملين، وعودة الحزب الجمهوري الى البيت الأبيض لن يكون حدثاً ساراً في أوروبا. ومن المؤشرات على ذلك ان ألمانيا التي قررت التخلي عن استخدام المفاعلات النووية لانتاج الطاقة، تعتمد اعتماداً أساسياً على الغاز والنفط الروسيين. وقد جرى تمديد خطين للأنابيب بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق.
وهناك مشروع لمد خط ثالث أيضاً. ولذلك فان ألمانيا تشعر بأن من مصلحتها إقامة علاقات مميزة مع موسكو. وللتعبير عن هذه المشاعر قررت منح جائزة "غادريغا"، وهي من كبرى جوائز التقدير الدولية التي تمنحها ألمانيا، الى الرئيس بوتين، تقديراً له، وربما استباقاً لعودته الى الكرملين. غير ان الضغط الأميركي المعاكس أدى الى حمل المؤسسة الألمانية على التراجع عن قرارها. فاضطرت الى سحب اعلانها بمنحه الجائزة. ولقد أثار هذا الأمر استياء شديداً في الاتحاد الروسي، حتى ان الرئيس ميدفيديف نفسه الذي ينافس بوتين على الرئاسة، وصفه "بالتصرف الجبان". والتصرف الجبان لا يصدر الا نتيجة خوف من مصدر ما. والمصدر المخيف لبرلين هو واشنطن !!
وكان سبق للرئيس باراك أوباما ان أعاد النظر في السياسة التي اتبعها الرئيس السابق جورج بوش سواء لجهة اقامة قواعد متقدمة للصواريخ الستراتيجية الاميركية في بولونيا وتشيكيا، أو لجهة المظلة الستراتيجية الفضائية. وتعني عودة رئيس جمهوري الى البيت الأبيض عودة الى هذه الستراتيجية التي تستهدف أولاً وأخيراً الاتحاد الروسي ولو من خلال الادعاء بان الهدف هو مواجهة الصواريخ الإيرانية !! من أجل ذلك ذهب فلاديمير بوتين الى أقصى حدود السخرية والتحدي في الوقت ذاته، عندما وصف في الاسبوع الماضي هذه الستراتيجية الأميركية بأنها "كمن يحاول أن يحرق العالم من أجل أن يقلي بيضتين"!!.
لا شك في ان اسرائيل ستكون المستفيد الأول من عودة الحرب الباردة. فعودة التطرف الى البيت الأبيض مترافقاً مع تصاعد الاسلاموفوبيا في الولايات المتحدة وكذلك في اوروبا، يجعل من التحالف الاسرائيلي الغربي (الأميركي-الأوروبي) قوة مرجحة على التعاون المهزوز والمتقلب بين الاتحاد الروسي وبعض الدول العربية. لقد حدث ذلك خلال الحرب الباردة السابقة ويمكن أن يحدث ايضاً خلال الحرب الباردة القادمة. لقد دفعت القضية الفلسطينية في السابق ثمناً غالياً.. وهي معرضة لأن تواصل دفع هذا الثمن الغالي.. واذا كانت اسرائيل تخطط منذ الان لإعادة النظر في حساباتها السياسية لإعادة صياغة تحالفاتها على اساس ما هو قادم.. فان العالم العربي غارق في وحول الاضطرابات الداخلية وفي الفراغ القيادي ويفتقد الى النظرة المشتركة لما هو آت من وراء البحار. ولكنه آت.