#adsense

الحكومة في فخّ التلازم بين وحدتها وقوّة نظام دمشق

حجم الخط

غريب أمر حكومة الرئيس ميقاتي، فمنذ أن ولدت تلاحقها القراءات السياسية بأنّها لن تعمّر طويلا، وأنّها ستكون حكومة قصيرة المدى على قياس حكومته الأولى. ولا يرى أصحاب هذا الرأي صعوبة في تحديد الأسباب، فهي في نظرهم متعددة، أبرزها ما يتصل بتكوينها لأنّها ولدت من خارج الرحم اللبناني ومن لون واحد ومن دون أب واحد. فاعتبرت أداة للخارج، وأن لبنان لم يعرف بعد تجربة حكم اللون الواحد، فكيف إذا كان الأمر يتصل بلون موقت وزئبقي بني على رمال متحركة.

وليس جديدا القول إنّ هذه الحكومة التي ولدت في ظروف صعبة تناغمت مع متغيرات الوضع في لبنان وسوريا، باتت أسيرة حماة الولادة ورعاتها، وكأنه لا يكفيها ما فيها من مشاريع تفكك وفِخاخ قابلة للانفجار في أي وقت، فتعدّدت السيناريوهات التي عزّزت القناعات، فحوّلتها بعد ضمها مجموعة من التناقضات وليدة النظام السوري المأزوم لتعيش أيامها بهبّاتها الساخنة أو الباردة على وقع مآزقه وأزماته، ما سيؤدي حكما إلى التوقع أنها ستشهد في أي محطة مفصلية سياسية أو إدارية ما سيكون انعكاسا لنهوض أكثريتها أو سقوطها في فخ التلازم بين قوّتها وقوّة النظام في سوريا، كما على مدى قدرتها على حماية وحدتها ومنع سقوطها في بحر مشاريع الخصومة بين مقوّماتها.

مخاطر تفكك داخلية

وبمعزل عن الظروف الإقليمية والدولية التي تتأثر بها التركيبة الحكومية، ثمّة حسابات أخرى داخلية لا يمكن التقليل من أهميتها، وأخطرها في حجم التمايز الذي برز سريعا بين أقطابها ومحاورها من ضمن الصف الواحد.

ففي حسابات "التيار الوطني الحر" وبعض حلفائه أن حكومة الفريق الواحد أمام استحقاق جدّي ومهمّ في ملفات الإدارة والأمن والمال والكهرباء، ولا يجوز التهاون مع الفريق الخاسر الذي تحوّل إلى أقلّية معارضة. لذلك يستغربون ما حلّ بالحكومة عند طرح أوّل مشروع جدّي للكهرباء فظهرت عاجزة عن التقرير في شأنه ليس لحسابات مالية وتقنية فحسب، بل سياسية بامتياز.

وفي خلفية المشهد فإنّ مكوّنا آخر في الحكومة يقوده رئيس الحكومة نفسه ومعه وزراؤه ووزراء الحزب التقدمي الاشتراكي لا يشاطرون التيار ووزراءه الرأي لاعتبارات يضعونها في إطار رفضهم اللجؤ إلى كل ما يفسّر على أنه نوع من الكيدية السياسية المرفوضة في الإدارة والأمن والمال وخصوصا أنّ المستهدف هو الفريق الذي يقود الأكثرية السنّية في لبنان.

وما بينهما يقف الفريق الثالث الذي يقوده الثنائي الشيعي، وهنا يعترف أحد وزراء عون بأنه ليس ثابتا لديه إلى اليوم أن الوزراء الشيعة ملتزمون نصرة وزراء التيار وحلفائهم. ويعتقد جازما أنّ لهذا الثنائي رأيين متداخلين إلى مرحلة يصح فيها القول إنّها بلغت حدودا من "الغموض الإيجابي". فالدعوات التي أطلقها "حزب الله" لنصرة العماد عون وحلفائهم المسيحيين إلى "يوم الدين" لم تثبت بالوجه الشرعي إلى اليوم. وليس هناك إجراء يترجم هذا التوجّه لا في ملف الكهرباء أو في الأمن أو في الإدارة. لا بل على العكس، فلدى هؤلاء من يفكّر في إفساح المجال أمام الرئيس ميقاتي لتكون له الكلمة الفصل في ملفات قوى الأمن الداخلي والمالية والإدارة، حيثما وجد موقع سني على أساس أنّ للحزب والحركة توجّها أقوى لحماية ميقاتي وتوسيع قواعده السنية بالإجراءات التي يراها مناسبة مهما يكن الثمن.

…وأخرى إقليمية ودولية

ومن هنا، ينطلق بعض المراقبين ليكشف أنّ الوضع الحكومي هشّ. ولا تنقصه العناصر التي تقود إلى التفكك من الداخل ما لم ينجح الساعون إلى توحيد المواقف والرؤية من ملفات أساسية داخلية بالسرعة القصوى للتفرغ لتداعيات المحكمة الدولية التي بدأت تشدّ الخناق على المتهمين ومن وراءهم بسلسلة من القرارات المنتظرة في الأيام المقبلة، تزامنا مع ما بلغه الوضع في سوريا من توتر يزيد فيه الحصار الخليجي والأوروبي والدولي على النظام الذي شكّل مظلّة للحكومة الميقاتية.

لذلك يقول العارفون إنّ في حسابات حزب الله ترخص التضحيات الداخلية لتدارك أخطار ما يجري في سوريا ومدى انعكاساته على الوضع في لبنان، وهم يسعون بما أوتوا من قوة لترميم العلاقات الداخلية والتفرّغ للهموم الإقليمية والدولية، عدا ما ينتظرونه من تداعيات القرارات الاتهامية الجديدة التي ستتوسّع باتجاهات مختلفة في ثلاث جرائم على الأقل ثبت الترابط فيها مع جريمة اغتيال الحريري، وخصوصا إذا لامست الدفعة الثانية من القرارات أسماء لامعة لن يكون بالإمكان إخفاؤها أو التشكيك في إمكان تسليمها.

وعليه، يعترف أصدقاء الحكومة الحالية بأن ما يواجهها من استحقاقات يدعوهم إلى الخشية من أن تتحول أولى ضحايا المرحلة المقبلة، سواء جاءت الريح قوية من المحكمة في الداخل أو من الخارج السوري. ففي الحالين ستدفع ثمن المتغيرات التي تحكّمت في ولادتها. ألم تعترف "الداية" التي أنجبتها بأنّها ستكون حكومة حماية النظام السوري وإسقاط المحكمة الخاصة بلبنان، فلماذ استبعاد بعضهم سقوطها بخسارة أيّ من العناصر التي شكلتها وساهمت في ولادتها؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل