#adsense

حنين

حجم الخط

حنين…

أطلقت مبادلات الجثامين وتحرير الأسرى موجة من الحنين عارمة وكاسحة. وهو ليس من الصنف الفيروزيّ الذي «لا يعرف لمين»، إذ هو حصراً لـ… «المقاومة». فأسماء سمير القنطار ودلال المغربي وسواهما جدّدت الشوق إلى ذاك السحر الخارق وكسرت كبته، على ما قال كتّاب وصحافيّون وناشطون ومؤدّون تلفزيونيّون.

ولوهلة يطيب لواحدنا أن يتساءل: هل يحنّ صاحب الحنين لما هو متوافر بإفراط وكثرة؟ أوليس الزمن الراهن زمن مقاومة هي «جوهرنا» كما قال أحدهم؟ وإذا كان الأمر هكذا، وهو هكذا، فهل يمكن أن يتحقّق لنا الإشباع في يوم ما، أم أن المقاومة من أصناف اللذة التي لا يطاولها الإشباع، كلّما أدركنا بعضها طالبنا بما هو أكثر؟

واقع الأمر أن شيئاً من هذا قائم في سحر المقاومة المعلن منه والخفيّ. غير أن المسألة أدقّ من هذا وأشدّ كشفاً للمستور. فإذا ما دقّقنا في بيئات الحنين عثرنا على بيئتين اثنتين: واحدة تذكّرها الأسماء بأيّام كانت فيها القوى الوطنيّة والعلمانيّة، وبعض اليسار الفلسطينيّ واللبنانيّ، تلعب الدور الذي يلعبه راهناً «حزب الله». هؤلاء واظبوا على حنينهم ولم يستوقفهم أن المرحلة تلك مرّت في تعرّجات الحرب الأهليّة الأردنيّة والحرب الأهليّة اللبنانيّة واجتياحي 1978 و1982 الإسرائيليّين. كما لم يستوقف اليساريّين بينهم أن حنينهم يهبّ هبوباً مضادّاً لموجات النقد الذاتيّ لشيوعيّي أوروبا الغربيّة والوسطى، ما سبق منها سقوط المعسكر السوفياتيّ، وخصوصاً ما تلاه.

أما البيئة الثانية فحنينها يتّجه الى زمن كان اللون المذهبيّ الطاغي على مقاومته غير اللون المذهبيّ الطاغي على مقاومة اليوم. فحين كانت قيادة المقاومة معقودة لسنّة فلسطينيّين، وبدرجة أقلّ لبنانيّين، كان النعيم ينطح النعيم. وهنا أيضاً يفوت أصحابَ الحنين ما فات أهل البيئة الأولى من تجارب مرّة وسوداء أسّست للحالة المرّة والسوداء الراهنة. أما الطموح الى نقد «المقاومة» بذاتها ولذاتها، بغضّ النظر عن الهويّة المذهبيّة لقيادتها، فيرتكز الى قاعدة هزيلة من السكّان هي وحدها التي تذهب في مشروع الدولة الحديثة الى نهاياته المنطقيّة.

لكنْ، وفي غضون ذلك، تنمّ بيئتا الحنين هاتان عن مشاعر معقّدة حيال «حزب الله». ذاك ان ما يتولّى الحنين تسريبه عدم رضا بمقاومة اليوم وقيادتها، وهو ينطوي على حسد البيئة الأولى وضغينة البيئة الثانية وعلى مزايدة لفظيّة تصدر عن البيئتين معاً. وهو ما يشير الى أن المقاومة، حتى في المحيط العريض لمؤيّديها والسائرين في ركابها، محطّة تنازع وعنوان صراع. فإذا فات أصحاب الحنين تذكّر الهزائم التي ألحقت بهم، وبنا جميعاً بسببهم، على أيدي «العدوّ»، فإن الهزائم التي أنزلها بهم «الأخ» و «الشقيق»، بما في ذلك إجلاؤهم عن المقاومة، ليست موضع نسيان. بيد أنّها، في المقابل، ليست موضع إشهار لأن المقاومة مقدّسة في بيئة الحنين الأولى، ولأن توازن القوى يحول دون ذلك في بيئته الثانية.

وهذا جميعاً يخالف أجواء الأعراس والاحتفالات التي يشارك فيها بعض أهل الحنين الممتعضين.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل