#adsense

“اللواء”: الوضع الحالي المأزوم يوجب على الحكومة القيام بخطوات لسحب فتيل الإنفجار على صعيدي التعاون مع المحكمة الدولية ومعالجة ملف السلاح في الداخل

حجم الخط

كتب د. عامر مشموشي في صحيفة "اللواء": في ظل التطورات المتسارعة على أكثر من ساحة عربية، لا تزال الحكومة التي يصرّ رئيسها على أنها حكومة كلنا للوطن، كلنا للعمل، تتلهى ببعض الخطابات والمزايدات والمواقف الارتجالية لهذا الطرف أو لذاك من الأطراف الممثلة فيها، وكأنه يكفيها أن يقتصر نشاطها على التعليق على ما يصدر من مواقف، والتوضيح لكل ما يثير ردود فعل غاضبة أو منتقدة، أو أن تحاول إلهاء الناس ببعض العناوين الاستهلاكية أو الروتينية كما وصفها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان كالتعيينات لملء الشواغر في الإدارات الرسمية وغيرها من بنود جدول أعمال جلسات مجلس الوزراء التي وباعتراف أحد الوزراء يغلب عليها الطابع الروتيني والمكرر وذلك في مرحلة استثنائية ودقيقة بالغة الخطورة، ما يضفي على سياسة هذه الحكومة الكثير من الغموض وعدم الوضوح في الرؤية، وغياب الخطط والبرامج المتعلقة بكيفية حماية الأوضاع السياسية التي تزداد تردياً يوماً بعد آخر، وبمعالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والتي تزداد تفاقماً، وبكيفية تحصين لبنان من تداعيات وانعكاسات الأحداث التي يعيشها العالم العربي والتي تدرك الحكومة مثل غيرها وأكثر على أنها زلزال كبير لا يزال في بداية حراكه المدمّر.

ولا يختلف اثنان على أن بطء عمل الحكومة التي مضى على نيلها الثقة أكثر من شهرين، جعلها أقرب إلى حكومة تصريف أعمال تعيش حالة ترقب وانتظار لمسار الأحداث التي تعيشها المنطقة ولا سيما في سوريا التي تشهد كل يوم تطورات جديدة، والتي لا يمكن إلا أن يكون لها الأثر البالغ على كل الملفات الحساسة المطروحة في الداخل اللبناني، والتي تشكل التحدي الأبرز أمام انطلاقة الورشة الحكومية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من أن توظف كل طاقاتها لقطع الطريق على أية انعكاسات أو تداعيات، ما يحدث في هذا البلد الشقيق، على الوضع الداخلي الهش أصلاً في ظل تصاعد حدة الخطاب المذهبي والطائفي كنتيجة مرتبطة بملف الخلاف والانقسام العمودي حول ملفين متلازمين لا يمكن إغفالهما أو القفز فوقهما وكأنما غير موجودين، وهما ملف المحكمة الدولية التي نشرت أمس، القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والذي يتضمن الأدلة القاطعة والبراهين الدامغة التي استند إليها المدعي العام القاضي بلمار ووافق عليها قاضي الاجراءات التمهيدية القاضي فرنسين ضد أربعة عناصر من حزب الله، سبق لهذه المحكمة أن أودعت أسماءهم الحكومة اللبنانية قبل حوالى الشهر والنصف مع أربعة مذكرات توقيف بحقهم، وطلبت من الحكومة تسليمهم إلى المحكمة ليصار إلى محاكمتهم وفق القواعد القانونية المعتمدة، ومضت المدة الزمنية المحددة في قانون المحكمة ولم تعثر الحكومة عليهم حسب ما أبلغت المحكمة مما اضطرها الى نشر القرار الاتهامي، كإشارة منها الى تقصير الحكومة اللبنانية في القيام بواجباتها لكي تتحاشى الاصطدام بحزب الله الذي لا يعترف بهذه المحكمة، ويعتبر كل ما يصدر عنها باطلاً، وسبق لأمينه العام أن تحدى الجميع برفضه تسليم المتهمين الأربعة.

والملف الثاني يتعلق بالسلاح الذي لا يكفي أن يعلن حامله أنه لن يستخدمه في الداخل، أو يكتفي بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة في إطار يشرّع ويكرّس هذا السلاح دون أية قيود أو شروط أو حسيب أو رقيب بل لا بد من نزع هذا الفتيل المتفجّر الذي لا يخدم حتماً استقرار ووحدة البلد، من منطلق الضرورات الوطنية الملحّة، ومن موقع الحرص على دور هذا السلاح الأساسي في أن يبقى موجهاً نحو اسرائيل من ضمن استراتيجية دفاعية، سبق لحزب الله أن قبل بها في اجتماعات الدوحة على أن يجري إقرارها على طاولة الحوار الوطني، غير أن الحزب راح يماطل في بحثها إلى أن توقفت اجتماعات هيئة الحوار بذريعة أن الحكومة السابقة برئاسة سعد الحريري لم تُحل ملف شهود الزور في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الى المجلس العدلي، وحصل بعدها ما حصل من إجبار الحكومة السابقة على الاستقالة، وتشكيل الحكومة الحالية من لون واحد، بعد انضمام رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط ورئيسها نجيب ميقاتي الى جانب قوى الثامن من آذار.

ورغم إدراك الحكومة للمخاطر التي يمكن أن تنجم عن استمرار هذين الملفين على حالتهما الراهنة لجأت إلى أسلوب الهروب الى الأمام، بأن تبنت دعوة رئيس الجمهورية إلى الحوار، وراحت تشدد على هذه الدعوة من دون أن تحدد موقفها من الانقسام الحاصل حول جدول أعمال هذا الحوار، بل تبنت إلى حد بعيد وجهة نظر فريق الأكثرية الجديدة الذي يرفض بشكل قاطع أن يكون ملف السلاح في الداخل البند الوحيد أو أحد بنود وجدول أعمال هيئة الحوار، ويتمادى في الوقت نفسه في تحدي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وفي كيل الاتهامات بالعمالة والارتباط بالأجنبي للفريق الذي يتمسك بالمحكمة والحقيقة، وفي أن تأخذ العدالة مجراها مع ضرورة إقرار الفريق الآخر بوجوب تنفيذ مقررات الحوار ولا سيما لجهة التمسك بمرجعية اتفاقي الطائف والدوحة اللذين ينصان على مرجعية الدولة بالنسبة الى السلاح، وعلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهذا من شأنه أن يحد من حدة الانقسام الحالي ويعطل فتيل الانفجار.

ويرى المراقبون أن الوضع المأزوم دخل مرحلة لا تحتمل التعاطي معها بمزيد من الخفة والمكابرة أو المعاندة والمناورة بل يتوجب على الحكومة القيام بسلسلة خطوات تسحب بها فتيل الانفجار، ولا سيما على صعيد التعاون مع المحكمة الدولية وعلى صعيد معالجة ملف السلاح في الداخل.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل