"دولة الممانعة" الأخيرة ؟
ثمة كثير من العوامل الموضوعية يبرر للحكومة هذا الإفراط في التستر على المناقشات والحوارات المكتومة الدائرة ضمن اللجنة الوزارية المكلفة وضع البيان الوزاري لحكومة كان من أولى مآثر تركيبتها انها أزالت "مبدئياً" التصنيف الطبيعي بين الموالاة والمعارضة وحصرت التمييز بينهما بصراع المشروعين، اي "14 آذار" و"8 آذار" من دون اي تمايزات أخرى.
ومع ذلك، فإن التسامح الظرفي السريع حيال التزام الحكومة سرية المداولات لا يبرر لاحقاً عدم كشف الجانب الأبرز منها المتصل بأول جولة حوارية يعتقد انها جدية للغاية وتتسم بأهمية مصيرية في شأن ما يسمى الاستراتيجية الدفاعية للبنان في ظل "رئيس توافقي" و"حكومة وحدة وطنية"، وكلها تسميات ترفد مفهوم مشروع 8 آذار المعلن على الأقل في احلال "الديموقراطية التوافقية" مكان الحكم الطبيعي الدستوري للغالبية والأقلية.
يتعطش الرأي العام اللبناني على الأقل الى معرفة طلائع "الكيمياء" داخل الحكومة حيال هذا الامر المصيري. ليس من منطلق الاصطفاف، او مزيد من الاصطفاف الخانق وراء هذا المشروع او ذاك، بل لمعرفة ما اذا كانت مقاربته تجري على اساس الوقائع الإقليمية الكبيرة الدائرة حول لبنان وعبره هي المعيار الاساسي لهذا الحوار الاولي ام ان الأمر يجري بمعيار انفعالي موروث من أوهام الاستقواء لدى المعارضة وهواجس الاستنفار لدى الغالبية.
ولعل أمّ المفارقات في هذا الحوار الطري العود هي ان لبنان يبدو عبر اتجاهه الى صوغ استراتيجية دفاعية في مواجهة اسرائيل، على مشارف استعادة "ميزة" نادرة وسط أنداده واشقائه العرب وهي انه قد يبقى البلدالعربي الوحيد المدرج في خانة "دول الممانعة"، ولكأن كل العرب "عائدون من الحج" ولبنان ذاهب اليه منفرداً. ومع ذلك لا يملك لبنان خياراً آخر للتماسك وحفظ البنى الاساسية لوحدته المبدئية والدستورية والبنيوية سوى استنباط هذه الاستراتيجية ان على سبيل الإبحار الصعب والمعقد بين مشروعي "الدولة والدويلة"، وعلى سبيل جعل لبنان يدفع تكراراً الثمن القاتل للتسويات الاقليمية المطلة برأسها من كل الاتجاهات.
يود اللبنانيون ان يعرفوا كيف تجري مقاربة اطراف الحكومة لظاهرة ولا أغرب هي ان المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة تقترب بسرعة مذهلة من الانتقال الى "الدور المباشر"، فيما ينذر المناخ السائد، عقب عملية تبادل الاسرى بين اسرائيل و"حزب الله"، بحرب استخباراتية امنية مفتوحة في لبنان.
ومن حق اللبنانيين ان يعرفوا ما اذا كانت مقاربات اطراف الحكومة على سوية متشابهة للخطر الجدي والمحقق للتهديدات الاسرائيلية المتعاقبة باغتيال قيادات في "حزب الله" بما تنطوي عليها من نذير اشعال حتمي لكل خطوط المواجهة واطاحة الخطوط الحمر التي رسمها القرار 1701.
ومن حقهم ايضا ان يعرفوا ما اذا كانت المداولات حول ردع الخطر الاسرائيلي الدائم، ومثله خطر التسويات الاقليمية، بدأت تُحدث لدى اطراف الحكم والحكومة شعوراً بخطورة استفراد لبنان وتركه نهباً لوظيفة طالما نذر لها وأدت الى تدميره فيما سائر الاشقاء والاصدقاء والاعداء يرتعون على حسابه ومن كيسه ويوظفون انقسامات قواه واحزابه وطوائفه وابنائه لإبقائه على خط الترضيات والمقايضات والتفاهمات المعقودة في العتم.
لا يحتمل اللبنانيون مزيداً من التعتيم خصوصاً في هذه القضية المقضية الحاسمة لمصيرهم ومستقبلهم على الآماد القصيرة والمتوسطة والبعيدة. والأهم من ذلك ان مذاق الاستقرار الذي يعود تدريجاً الى البلاد قد يغدو كوليد جميل لن تحميه خرزة زرقاء فقط من عيون حاسديه ما لم يقترن المعسول الكلامي المنمق في مشروع بيان وزاري "توافقي" بما يزيل عن لبنان لعنة تلك "الوظيفة اللعينة".