#dfp #adsense

الانعتاق… و”الوداع اللائق”!

حجم الخط

باتت تسمية "ميدان التحرير"، التي تتناقلها الشعوب العربية الثائرة وتطلقها تباعا على ساحات العواصم التي يضربها المدّ الثائر، التعبير الرمزي والعملاني الابلغ دلالة على مفاهيم العروبة الجديدة الزاحفة على النظام العربي المتقادم. فعلى رغم المخاوف الموضوعية من تسلق النزعات الاصولية وتياراتها، ما يمكن ان يشكل يوما نظاما عربيا جديدا، يبدو ضربا من ضروب الانكار نفسها تجاهل لحظة نشوة الجماهير والشعوب بالنصر والتحرير عند اسقاط الديكتاتوريات وانظمتها ورموزها المتكلسة. وهذا الذي يجري في ساحات طرابلس الغرب يعجز عن الالمام به واحاطته بالكامل اي مشاهد او مراقب عن بعد مهما بلغت درجة انفعاله مع الحدث التاريخي.

لم يسبق لحاكم عربي ان حقن شعبه بمصل العداء للغرب واميركا "الشيطان الاكبر" بمثل ما فعل معمر القذافي في سحابة 42 عاما. ولم يسبق لنظام عربي ان عقد صفقات مكشوفة مع الغرب بمثل ما اقدم عليه القذافي، ملهم "العقيدة الخضراء"، في صفقة لوكربي. اودى ذلك بخلاصة عاجلة الى ارتماء الشعب الليبي بالكامل في حضن الحلف الاطلسي الذي تحول منقذ ليبيا الاول وصاحب الرافعة الاثقل والاغلظ في انعتاقها من الطاغية. وها هي "الساحة الخضراء" بالذات، التي تحولت "ميدان تحرير" للثوار، تطلق المفهوم الجديد المتفجر للتحرير ساخرة بمزاعم مناهضة "الاستعمار" وادعاءاتها المزمنة ومقيمة شراكة عملانية مذهلة بين الثورة والغرب. سُحق القذافي وسقط بين "زرعه" كمن افترسه وحش ابتدعه هو بنفسه. ومع ذلك لم يشأ الرحيل إلا بوداع يليق بالطغاة، اي بمزيد من حمامات الدماء. والغريب ان هذه السليقة، التي تعاقبت وتتعاقب حلقاتها، بلدا عربيا اثر بلد، تحوّل رموز انظمة الاستبداد وحكامها اشبه بسليلة حاكمة عملاقة فلشت انظمتها وانماطها على سائر دنيا العرب من المحيط الى الخليج. وما من حاكم حتى الآن "خالف" الطقوس المقدسة السرية التي تشكل عقيدة الاستبداد بدليل ان الحاكم يقيم وداعه "اللائق" على طريقته، فيدمر بلده على قاعدة شمشومية محمولة بحمامات الدماء تقول إما الحاكم المتسلط وإما الخراب الشامل.

بطبيعة الحال، تتهافت مع اجتياح الثوار كل ساحة من ميادين التحرير الاسئلة العاجلة عن اليوم التالي. غير ان الملتاع بالنار هو غير المنظّر عن بعد. ففي ساحات طرابلس وليبيا الآن تأريخ للحظة الانعتاق من غير الجائز القفز فوقها رأسا الى الاستخلاصات الابعد. هناك تجري ايضا مشهدية الانعتاق من اربعة عقود تحوّل معها المواطن الفرد اداة مسحوقة بالكامل، ومن حقه الآن ان يستأثر بلحظة النشوة فقط قبل اي ترف متعقلن متعجل. هي اللحظة التي تحمل الرسالة ولو بكل عشوائيتها وفوضويتها وعصفها الدامي ومجهولها الآتي غداً.

المصدر:
النهار

خبر عاجل