
لم تتوانَ أوساط سياسية مطلعة عن اعتبار أن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله حدّد “عنواناً بريدياً” مثلث الضلع في معرض كشْفه خلفيات رسالة المسيًّرات فوق حقل كاريش والتي أتت ضمن سياق متدرِّج من الخطوات التي سنُقْدِم عليها، إذ خاطب واشنطن وتل أبيب “بأننا جدّيون وأبعد ما نكون عن ممارسة الحرب النفسية”، كما الداخل اللبناني من باب “اننا لا ننتظر إجماعاً وطنياً على أي خطوة نقررها وأن سوءَ تفسيرٍ حصل لموقف الوقوف خلف الدولة فنحن قلنا إننا لن نقف مكتوفين بل من حقنا القيام بأي خطوة نراها مناسبة”.
لكن ما وراء «الصندوقة”، وفق هذه الأوساط، لاحت “الأهداف الحقيقية” التي جاءت مغلَّفة بموقفيْن أطلقهما: الأوّل أن “رسالة المسيّرات” لم تكن سوى “بداية متواضعة… والمعادلة الجديدة لن تتوقف عند حقل كاريش بل ستتعداه إلى ما بعد بعد كاريش، ونحن قادرون على إرسال الكثير من المسيّرات في آن واحد وبأحجام مختلفة، مسلّحة وغير مسلّحة (…) وإذا كانَ الهدف منع لبنان من استخراج النفط والغاز، فلن يستطيع أحد أن يستخرج غازاً ونفطاً ولا أن يبيع غازاً ونفطاً مهما تكن العواقب، وخياراتنا وقدراتنا ستكون متنوعة في البحر والجو والبر، وكل شيء يخدم القضية سنقدم عليه بالحجم المناسب والشكل المناسب والوقت المناسب”.
والثاني دعوته المسؤولين اللبنانيين الى “استغلالنا” واستخدام “ورقة القوة التي تشكلها المقاومة” في مفاوضات الترسيم لضمان وصولها إلى خواتيمها قبل بدء استخراج إسرائيل الغاز من كاريش في أيلول “فهذه فرصة ذهبية لتعطيل وعرقلة إنتاج وتصدير النفط والغاز (من الحقول الإسرائيلية) إلى أوروبا، وإذا انقضت هذه المدة من دون أن يحصل لبنان على حقوقه فإنّ الوضع سيكون صعباً جداً والكلفة ستكون علينا أعلى… وفهمكم كفاية”، قبل أن يغمز من قناة بيان التنصل الرسمي الذي صدر عن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبدالله بو حبيب غداة عملية المسيَّرات معتبراً “طبعاً لا ندعو المسؤولين للتبرؤ منا أمام الأميركيين (…) ولا تدعوهم(يخدعونكم). وأنا نقزت كتير حين سمعت أحد المسؤولين (بو حبيب) يقول إنّ اتفاق الترسيم سيحصل في سبتمبر… إيه تخبز بالأفراح”.
كما لفتت الأوساط الى أن “نصرالله بوضعه خيار الحرب على الطاولة مع التلويح بالقدرات البرية والبحرية والجوية، بدا وكأنه يتلو تهديداتٍ على مسامع بايدن (رافقه الوسيط في مفاوضات الترسيم آموس هوكتاشين الذي التقى أمس وزير الطاقة الإسرائيلية) والترتيبات الجديدة التي يسعى لإقامتها في المنطقة وعبّر عن جانب منها إعلان القدس أمس حين تحدّث عن بناء هيكل إقليمي قوي والتزام واشنطن بأمن إسرائيل و«بالعمل مع الشركاء الآخَرين لمواجهة العدوان الإيراني والأنشطة المزعزعة للاستقرار، سواء كانت مدفوعة بشكل مباشر أو من خلال وكلاء ومنظمات إرهابية مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي”.
أما إثارة موضوع الغاز إلى أوروبا، فرأت الأوسط عيْنها أنه صيغ بـ”قالب لبناني” يرتبط بالضغط لانتزاع الحقوق البحرية “قبل فوات الأوان”، ولكن جوهر معادلة “لا استخراج اسرائيلياً من أي من حقولها ما دام لبنان لا ينقّب ويستخرج في حقوله” بدا مربوطاً بالحرب في أوكرانيا ولعبة “مَن يصرخ أولاً” بين روسيا والغرب ولا سيما أوروبا التي تخشى “خنْقَها بالغاز” والتي رَبَطَتْ مع غاز كاريش الذي سيكون معدّاً للتصدير إليها.
ولفتت الأوساط إلى أنه “لا يمكن فصْل هذا الموقف عن الأبعاد البالغة الأهمية لزيارة فلاديمير بوتين لطهران الأسبوع المقبل والتي قاربتْها واشنطن”، معتبرة “أن محاولات الرئيس الروسي تعزيز العلاقات مع إيران وسط الصراع الأوكراني تمثّل تهديداً كبيراً”. وأضافت ان “إيران تراعي حليفَها الروسي ووضعيّته في الملف الأوكراني وهي لا تتوانى عن رفْده بالدعم المتعدد الجبهة”، مشيرة إلى أن “هذا الاعتبار يدخل بحسابات طهران أيضاً حتى حين تبطئ سرعة مفاوضات النووي ومعها عودتها إلى سوق النفط.
في المقابل كشفت أوساط واسعة الاطلاع لـ”الراي” عن أن استحضار نصرالله لـ”الحرب” يعود إلى توقع حزب الله قيام إسرائيل بعملية أمنية مموهة، وهو أراد بكلامه توجيه رسالة استباقية لتل أبيب مفادها اننا جاهزون للحرب. وتحدثت هذه الأوساط، الخبيرة بعقل حزب الله وخياراته، عن أن نصرالله أراد إفهام إسرائيل أن الحزب جاهز للحرب، في حال قررت تنفيذ عملية أمنية بطائرات انتحارية أو ما شابه.
وفي تقدير الأوساط نفسها أن حزب الله يدرك أنه غالباً ما يكون الحديث عن الحرب حافزاً لإبعاد شبحها، وهو الأمر الذي حال دون الانزلاق إليها عبر ما يُعرف بـ”توازن الردع”.