يجزم أصحاب القرار في لبنان بأن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ليست في خطر نتيجة التجاذبات الداخلية التي تعانيها على خلفية المواجهة بين رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون من جهة، وجهات سياسية أخرى من مكونات الحكومة من جهة مقابلة، في شأن برنامج وزير الطاقة جبران باسيل الخاص بقطاع الكهرباء.
ويرى هؤلاء أن تهديدات عون بالاستقالة من الحكومة لا تعدو أن تكون جزءا من لعبة شد الحبال وعض الأصابع من أجل تحقيق مكاسب ضيقة، ومحلية في إطار لعبة التأثير على الرأي العام اللبناني واستمالته تحت عنوان العمل على تأمين متطلباته الخدماتية، وهي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحول إلى قرارات ذات طابع استراتيجي تنعكس سلبا على التوازنات الداخلية، التي أحدثتها عملية إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وإمساك كل من سوريا وحزب الله بمفاصل القرار الشرعي للدولة اللبنانية.
وفي رأي أصحاب القرار الحكومي فإن عون لا يملك، لا من حيث المبدأ ولا من حيث الواقع العددي، حق التصرف بمصير الحكومة، خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة التي تواجه فيها سوريا ظروفا داخلية صعبة، ويواجه فيها حزب الله ضغوطات المحكمة الخاصة بلبنان في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.
فمن الناحية المبدئية، جاء تشكيل الحكومة على النحو الذي تشكلت فيه، ومن خلال البرنامج السياسي والأهداف التي وضعت لها بقرار مشترك من سوريا وحزب الله. وبالتالي فإن إسقاطها يتطلب قرارا سياسيا كبيرا على الأقل من جانب واحد من راعييها الأساسيين، أي الرئيس بشار الأسد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وهو ما لا يبدو متاحا في ظل الظروف الراهنة.
أما من الناحية العملية، فإن العماد عون يملك في هذه الحكومة ستة وزراء، في حين يملك حليفه رئيس تيار المردة سليمان فرنجية وزيرين، وحليفه الآخر حزب الطاشناق الأرمني وزيرين آخرين. من هنا فإنه لو وصلت الأمور بالنائب ميشال عون الى حد اتخاذ قرار منفرد بالانسحاب من الحكومة بمعزل عن رغبة سوريا وحزب الله فإنه سيصطدم على الأقل بموقف فرنجية الذي لا يمكن أن يطعن حليفه الاستراتيجي الإقليمي الرئيس بشار الأسد في ظهره، في ظل ما يواجهه الأخير من تحديات داخلية تتطلب مواجهتها من بين ما تتطلبه خاصرة لبنانية آمنة.
ويذهب المطلعون أبعد من ذلك بالتأكيد أنه حتى ولو نجح عون في اقناع فرنجية والطاشناق بالتضامن معه، وهو أمر مستبعد، فإن استقالة عشرة وزراء لا يؤدي دستوريا الى إسقاط الحكومة التي تبقى مستمرة بثلثي أعضائها من دون أن يتأثر عنصر "ميثاق العيش المشترك" على اعتبار أن خمسة وزراء مسيحيين موارنة وأرثوذكس وكاثوليك سيبقون في الحكومة، التي بإمكان رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي تعيين وزراء بدلا من الوزراء المستقيلين.
ويخلص قريبون من سليمان وميقاتي ورئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط الى تأكيد أن عون سيخرج خاسرا سياسيا وتقنيا من هذه المواجهة التي افتعلها، لأن أفقه مسدود، وهو لا يملك أوراقا جدية للضغط على المكونات الأخرى للحكومة وعلى المظلة السياسية التي رعت ولادتها وترعى استمرارها.