من علامات الزمن الرديء في هذا البلد أنّ الفراغ الحاصل على مستوى العمل الحكومي، والمراوحة لبعض الملفات في مكانها، يجعلان أهل الصحافة مضطرين الى الوقوف عند الملفات العالقة الى حين معالجتها.
***
من الملفات التي باتت شهيرة وعالقة في آن واحد، ملف الكهرباء، وفي كل يوم تتكشّف معطيات جديدة عنه، ما يعزز الاقتناع بأن البت فيه كان أمراً لازماً وواجباً وحيوياً لمصلحة القطاع، واستطراداً لمصلحة الناس.
ماذا في آخر المعطيات؟
تقول مصادر عليمة على صلة بهذا الملف، أنّ كل الجهود تنصبّ على تحضير التلزيم لشركة كوريّة، وانّ مبلغ المليار والمئتي مليون دولار قد وُضِعَ على قياسها، بعد (مشاورات( مع تلك الشركة ودراسات قامت بها أفضت الى هذا الرقم الذي يُعتَبَر كبيراً.
وحين وصلَتْ الخطة الى مرحلة الأرقام المعلنة، تحرّكت – حسب مصادر مطلعة – أكثر من شركة لها باعٌ طويل في مجال إنشاء معامل توليد الكهرباء، ومنها ما هو ضخم وأكبر مما هو مطروح من الشركة الكورية. إحدى هذه الشركات تحرّك ممثلها في لبنان في اتجاه كبار المسؤولين، عارضاً ان شركته على استعداد لتأمين 700 ميغاواط بكلفة سبعمئة مليون دولار، وانها على استعداد لتقديم هبة بانجاز معامل توليد اضافية بما تعادل كلفته 500 مليون دولار، حسب تلك المصادر. هذا يعني أنّ لبنان يكون بذلك قد حقق وفراً مقداره نصف مليار دولار بين الشركة الكورية، والشركة التي قدمت العرض الأقل.
***
ماذا كانت النتيجة؟
أصيبَ ممثل الشركة الثانية بالذهول حين جاءه الجواب بالرفض، وقيل له إنّ الوزير المعني يتمسك بالشركة الكورية، وانه (مدعوم)، والداعم لا يريد على الإطلاق أن (يُزعّله) لاعتبارات تتعلّق بالتحالف بينه وبين التيار الوطني الحر. ذُهِلَ ممثل الشركة لَما سمعه، فسأل: وما موقف رئيس الحكومة من هذا الواقع? فجاءه الجواب انّ رئيس الحكومة يجد نفسه مضطراً للرضوخ للتوازنات القائمة، والأمثلة على ذلك كثيرة: ففي موضوع الكهرباء أفلتت الأمور من يده في مجلس الوزراء، فكانت المواجهة مباشرة بين وزراء تكتل التغيير والاصلاح ووزراء الحزب الاشتراكي. تماماً كما حصل حين صدر القرار الاتهامي، فلم يتخذ رئيس الحكومة أي موقف، وبعد ذلك عند نشر مقابلة (التايم) مع أحد المشتبه بهم الأربعة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فلم يتخذ أيضاً أي موقف. اليوم يبدو رئيس الحكومة في الموقع ذاته وعلى الموقف نفسه. مشكلته انه يريد أن يُحقق توزان القوى داخل مجلس الوزراء، لكنه اكتشف انّ حجم المصالح الشخصية أكبر من قدرته على جعل مجلس الوزراء منسجماً، فتحوّل بسرعة الى ما يُشبه رئيس حكومة تصريف الأعمال.