التطورات تثبت صواب مطالبة صفير بتحكم الأكثرية ومعارضة الأقلية
البيان الوزاري كان ينبغي أن يسبق تشكيل الحكومة؟
عندما دعا البطريرك الكاردينال صفير وهو في اوستراليا الى العودة الى النظام الديموقراطي الصحيح الذي يقضي بان تحكم الاكثرية والاقلية تعارض انتقد البعض موقفه هذا وصوّره على انه ضد تشكيل حكومة وحدة وطنية تم الاتفاق على تشكيلها في مؤتمر الدوحة. لكن عملية التشكيل التي استغرقت 45 يوما اكدت صدق قول البطريرك والاتفاق على البيان الوزاري الذي لا يعرف أحد كم سيستغرق الاتفاق عليه، علما انه لا يجوز ان يستغرق ذلك اكثر من ثلاثين يوما من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها كي تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة (المادة 64 من الدستور) دليل آخر على خطأ جمع الاضداد في حكومة واحدة.
وتقول مصادر قريبة من بكركي انه عندما تقضي الظروف السياسية والامنية والاقتصادية في البلاد بتشكيل حكومة وحدة وطنية او حكومة ائتلافية تتمثل فيها الموالاة والمعارضة، فينبغي ان يسبق تشكيلها اتفاق ليس على الحقائب والاسماء بل على ما ينبغي ان يتضمنه البيان الوزاري اولا من مواضيع وقضايا تحتاج الى اتخاذ قرارات في شأنها من دون ان يشكل ذلك خلافات قد تودي بالحكومة نفسها وتفجرها من الداخل. وعندما يتم التوصل الى هذا الاتفاق، يبدأ البحث في اسماء الوزراء وفي توزيع الحقائب على اساس موافقة جميع المدعوين للمشاركة في الحكومة على مضمون هذا البيان.
لكن ما حصل في مؤتمر الدوحة، ومن ثم بعد هذا المؤتمر كان خلاف ذلك. ففي هذا المؤتمر صار تحديد نسبة تمثيل الموالاة والمعارضة ورئيس الجمهورية على اساس 16 وزيرا للموالاة و11 وزيرا للمعارضة و3 وزراء للرئيس. كما ترك للاحزاب والكتل النيابية المطلوب تمثيلها في الحكومة ان تختار هي اسماء الوزراء والحقائب، وهو ما زاد عملية التشكيل تعقيدا وكاد اختيار ممثل الحزب السوري القومي الاجتماعي علي قانصو ينسف عملية التشكيل برمتها لولا تدخل رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري لدى رئيس الحكومة المكلف فؤاد السنيورة واقناعه بقبول توزيره للخروج من الازمة عدا الخلاف الذي مد بالازمة الوزارية على توزيع الحقائب، في حين كان ينبغي ان يترك لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف تسمية الوزراء وتوزيع الحقائب بحيث تعطى الحقيبة المناسبة للوزير المناسب.
وتم من جهة اخرى تشكيل الحكومة قبل الاتفاق على مضمون البيان الوزاري. فلو اعتمد غير هذا الاسلوب لما كان الاتفاق على وضع صيغة البيان الوزاري استغرق ما استغرقه من وقت حتى الآن خصوصا ان الجميع يعلم ان ثمة نقاط خلاف بين الموالاة والمعارضة حول المقاومة وسلاح "حزب الله" وحول الاسس التي ينبغي اعتمادها لارساء العلاقات اللبنانية – السورية عليها، فلو ان البحث جرى في هذه النقاط قبل تشكيل الحكومة، لكان في الامكان التوصل الى اتفاق على ان يكتفى بذكر العناوين في البيان الوزاري وترك الدخول في التفاصيل لمؤتمر الحوار الذي سيدعو اليه الرئيس سليمان ويحدد فيه اسماء من ينبغي ان يشاركوا فيه، وكذلك جدول اعمال هذا المؤتمر وما ينبغي ان يتضمنه من مواضيع ويحتاج الاتفاق عليها الى حوار هادئ وموضوعي.
وتتساءل المصادر نفسها، من يضمن تنفيذ ما سيتضمنه البيان الوزاري مع حكومة "الاضداد والمتاريس" ولا يظل ما صار الاتفاق عليه ربما للخروج من ازمة البيان ولا سيما ما يتعلق بسلاح "حزب الله" حبرا على ورق. أفلم يتوصل المتحاورون من قبل الى اتفاق على قرارات اتخذت بالاجماع ولم ينفذ منها شيء. اولم تتراجع الحكومة السابقة عن القرارات المتعلقة بشبكة الاتصالات التابعة لـ"حزب الله" والمتعلقة برئيس جهاز امن المطار عندما رفض الحزب تنفيذها وذهب الى حد اللجوء الى السلاح رفضا لهذه القرارات وكان هذا من اسباب ازدياد الخلاف حول دور هذا السلاح ووجوب وضعه في اطار الشرعية كي يكون قرار استخدامه لسلطة الدولة من دون سواها، اولم يعلن "حزب الله" الحرب مع اسرائيل في تموز الماضي على اثر خطفه جنديين اسرائيليين من دون ان يعود الى السلطة اللبنانية.
لذلك فان المسألة ليست مسألة اتفاق على الصيغة النهائية للبيان الوزاري فحسب، أنما هي مسألة اتفاق حكومة الاضداد على تنفيذ ما فيه، وما لم تكن الحكومة حكومة انسجام وتجانس بين اعضائها، ولديها العزم والتصميم على تنفيذ ما اتفق عليه اعضاؤها، فقد يكون من الصعب على حكومة تضم موالين ومعارضين وغير متفاهمين على المواضيع المهمة ان تنفذ كل ما يتضمنه البيان حتى ولو صار اتفاق في شأنها على الورق…
واذا كان الخلاف على سلاح "حزب الله" وعلى دور المقاومة وعلى وضع اسس واضحة للعلاقات اللبنانية – السورية، استغرق كل هذا الوقت، فكم سيستغرق الاتفاق على التعيينات لا سيما في السلكين الامني والعسكري، وهل يعقل ان يمنح الوزراء السابقون الثقة لوزراء معارضين خلفوهم في الوزارات التي كانوا يشغلونها عندما يكون همّ معظمهم تركيب ملفات لهم عن حصول فساد وتبديد اموال ليظهروا امام الناس مظهر من يريد مكافحة الفساد ومحاسبة المرتكبين وللتأكيد انهم هم وحدهم الاطهار والانقياء… خصوصا على ابواب الانتخابات النيابية.