معركة البيان الوزاري: تأسيس أم تكريس؟
عقدة البيان الوزاري هي عقدة الوضع اللبناني، حيث تتشابك الخيوط الداخلية والخارجية. ولا جدوى، كما أكدت الأيام التي مرّت، من التكتم على مداولات اللجنة الوزارية، وان كانت الحكمة التقليدية هي ان التفاهم على التسوية (مثل الفطر ينمو في الظلام). فالمعركة مكشوفة وممتدة من طاولة اللجنة الى أكثر من طاولة. والحديث عنها بدأ لحظة توقيع (اتفاق الدوحة) حيث قيل بصراحة ان ما بعد الرئاسة معركة الحكومة وما بعد الحكومة معركة البيان الوزاري. وعقدة الوضع اللبناني باقية، ولو جرى اليوم أو غداً أو بعد غد ايجاد حلّ لعقدة البيان بما في اللغة العربية من تعابير وصيغ تقع في باب (التبيين) حسب العنوان الشهير لكتاب الجاحظ (البيان والتبيين) أو في باب الالتباس والتخمين.
ذلك ان كثيرين تحدثوا عن ان مهمة الحكومة، وبالتالي بيانها الوزاري، هي (التأسيس) لمرحلة جديدة في حياة لبنان: اليوم التمهيد وفتح الطريق، وغداً الخط الفاصل للبداية الحقيقية في الانتخابات النيابية. لكن الواقع ان ما تدور عليه معركة البيان الوزاري هو (التكريس): من جهة، تكريس وضع تبدلت فيه موازين القوى، ومن جهة أخرى، الحؤول دون تكريسه. وهذا ما يجعل المواقف جامدة في النقاش الذي يوصف بأنه حيوي وهادىء. وهو ما يتم التعبير عنه بالفارق بين النص على حق المقاومة في التحرير والدفاع وبين حق الشعب اللبناني في تحرير الأرض بكل الوسائل. أليس هذا ما حدث في قمة الخرطوم العربية التي تبنى خلالها الملوك والرؤساء موقف الرئيس اميل لحود وأهملوا موقف الرئيس فؤاد السنيورة؟ أليس الوضع اليوم بعد انتصار المقاومة في حرب تموز مع العدو الاسرائيلي ثم بعد استعمال سلاحها في الداخل، هو ما يجعل كل طرف يجد اسباباً أقوى للتمسك بموقفه؟
المشهد ناطق داخل اللجنة الوزارية وخارجها، فلا تأليف حكومة الوحدة الوطنية انهى الخلافات وحتى التصنيفات بين موالاة ومعارضة، وفتح باب المصالحة والوحدة الوطنية. ولا ما سمي الصراع بين مشروعين اختفى لمجرد أخذ الصورة التذكارية للحكومة. واذا كان الفريق الذي ربح رهانه يريد تكريس موقعه المتقدم عبر نص حاسم في البيان الوزاري، فان الفريق الآخر يريد تعويض ما خسره او أقله الحد من خسارته عبر نص مختلف في البيان. والكل يتحدث عن الحوار الوطني، ويتصرف على أساس ان نتائجه ليست مضمونة. لا بالنسبة الى الاتجاه السياسي للبلد، ولا بالنسبة الى المواضيع المتعلقة بأوراق في يد اللاعبين الاقليميين والدوليين.
والناس في هم آخر.