#dfp #adsense

سيرة وطنية فريدة.. هكذا صانت “القوات” وثيقة الوفاق

حجم الخط

لا تنكفئ الأقلام التي تسعى لغايات لا تمتّ للخير بصلة عن استهداف حزب القوات اللبنانية بشكل ممنهج ومُركّز؛ استهداف قوامه المغالطات وتشويه الحقائق وضرب الوقائع بسلّة التحوير والافتراء، جديد هذا المسلسل المركّب، هو ما أطلّ به الصحافي أيمن جزيني عبر موقع “أساس ميديا” الالكتروني تحت عنوان “سيرة مسيحية سياسية تتكرر”.

بنى السيد جزيني مقاله هذا على مقاربة الموقف المسيحي في سلّة واحدة، إذ وضع “القوات” في كلّ مسيرتها ضمن خانة بقية القوى المسيحية ليقول إنّها تُشبههم تماماً في إسقاطها مبادئ العيش المشترك من كلّ خطاباتها وإقداماتها وسعيها للجنوح نحو الانفصالية الطائفية عبر ضرب وثيقة الوفاق الوطني تارةً واستثناء نفسها من المواجهة السياسية بين المسلمين اللبنانيين طوراً.

جزيني الذي يبدو أنّه لم يقرأ يوماً لا في سجلّات التاريخ ولم يطّلع على أحداث الماضي القريب ولا حتّى تلك المرتبطة بالحاضر، فاته أنّ “القوات” والتي قاومت وقدّمت خيرة شبابها في زمن الانقضاض على المجتمع اللبناني زمن الحرب، فعلت ذلك حفاظاً على هذه الأرض بوجه مصادرتها ورميها في أحضان أوطانٍ ومشاريع وإمبراطوريات لا تمتّ للبنانيين كلّ اللبنانيين بصلة.

فات السيد جزيني، بأنّه لولا إيمان “القوات” بوجوب الانتقال إلى بناء الدولة لما أقدمت على الانتقال من الحالة العسكرية إلى الانضواء في الكنف السياسي، وأنّه لولا قرارها الذي أخذته عن قناعة لما انتهت “الحرب”، وأنّه لولا “القوات” والبطريرك الماروني لما وُجِدَ اتّفاق الطائف، ولما بات الشعب اللبناني يرتكز على وثيقة تجمعهم على الرغم من كلّ محاولات نسفها واغتيالها على مرّ السنوات الأخيرة.

ادّعى السيد جزيني “من دون رفّة قلم” بأنّ اتّفاق الطائف يغيب عن أدبيات “القوات” السياسية، وعليه ندعوه إلى قراءة الشّرعة السياسيّة لحزب القوّات اللبنانيّة التي تُشكّل فيها وثيقة الوفاق الوطنيّ ركيزة أساسية لمبادئها ومنطلقاتها السياسية والوطنية، وقد ذُكر في البند الثامن من الفصل الأول: “لقد ساهمت القوات مع شركائها في الوطن في إرساء وثيقة الوفاق الوطنيّ، وتخلّت عن سلاحها، في سبيل إنهاء الحرب وقيام الدولة”؛ وهي بذلك تؤكّد الرابط بين الوثيقة وقيام مشروع الدولة.

كما تضمّن البند 11 من الفصل الثاني تأكيد على نهائية لبنان كوطن لجميع أبنائه ضمن دولة دستورية لا عقيدة لها، وجاء في البند 14 من الفصل نفسه تثبيت لإيمان “القوات” بوجوب ترسيخ لبنان وطناً للعيش الحر الكريم والرغيد لأبنائه، ما ينسف محاولة جزيني في تشويه موقف معراب من تقديسها الروابط الوطنية بين المكونات اللبنانية؛ هذا عدا عن سلسلة من الثوابت التي ذكرتها الوثيقة عن ركائز العيش المشترك المسيحيّ ـ الإسلامي وعن الهوية اللبنانية التعددية.

ادّعاء جزيني يسقط أكثر فأكثر كلّما استرجعنا سلسلة مواقف “القوات”، من خطاب جعجع في قداس شهداء المقاومة اللبنانية في 25 أيلول 2006 حين ردّ على الطروحات غير اللبنانية للأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، فأكّد أنّه لا وحدة وطنية خارج اتّفاق الطائف، مروراً ببرنامج ترشّحه لرئاسة الجمهورية في 4 نيسان 2014، إذ ثبّت تمسّكه باتّفاق الطائف، كما جاء في مقابلته مع موقع “أساس” نفسه، إذ أكّد في 30 تشرين الثاني 2020 بأنّ مقاربة “القوات” للملفات المطروحة تنطلق من اتفاق الطائف، وصولاً إلى إعلانه البرنامج الانتخابي لـ”القوات” والذي خاض على أساسه الانتخابات النيابية الأخيرة في 13 نيسان 2022، إذ تضمّن وثيقة الوفاق الوطنية كأحد الركائز الأساسية لمشروع “القوات” الوطني.

هذه المواقف هي غيض من فيض البيانات والتصريحات والمقاربات التي استندت من خلالها معراب على العيش المشترك السويّ الذي تضمّنه اتفاق الطائف والدستور اللبناني وكلّ المواثيق الدولية المعمول بها لبنانياً.

مغالطات جزيني العجيبة، استمرت مع اعتباره بأنّ تمنُّع “القوات” عن تسمية “سنّي” لرئاسة الحكومة هو من ضمن سلسلة “التعنّت الطائفي” وكأنّ جزيني يوحي بشكل مشبوه ومرفوض تماماً بأنّ “القوات” سمّت شخصية غير سنية للرئاسة الثالثة أو أنّها ترفض الإتيان بشخصية “سنّية” لهذا المنصب، وهو بذلك يُمعن في نسف الوقائع مرتكزاً على استشارات أخيرة وقد أخرجها من جوهرها، إذ كان لـ”القوات” موقف واضح في وجوب اختيار مَن يملك برنامجاً واضحاً إنقاذياً ومؤسساتياً ومواقف معلنة من كلّ ما يرتبط بمشروع الدولة وصولاً للسلاح غير الشرعي.

ويُمعن جزيني في قلب الحقائق، مع اعتباره بأنّ اتفاق الطائف وبعد خروج جعجع من السجن العام 2005 بات ضعيفاً جداً، باعتباره أنّ “القوات” استبدلت التمسّك بالشراكة والعيش المشترك بعملية النأي بالذات عند وقوع أيّ اشتباك سني شيعي، وعليه لا بدّ من تفنيد بعض النقاط.

أولاً، تناول مسألة اتفاق الطائف من دون تعداد ما لم يُطبّق منه توازياً مع وضع كلّ الموبقات الخيالية التي لا تمتّ للواقع بصلة بحقّ “القوات” وغيرها هو محض افتراء ممنهج وبعيد كلّ البعد عن الموضوعية والمهنية.

ثانياً، ينصّ اتّفاق الطائف على العيش الواحد والمناصفة الحقيقية وعلى العدالة بين كافة المكونات اللبنانية وهو ما كان مفقوداً تماماً ما قبل العام 2005، إبّان الاحتلال السوري وحكم النظام الأمني المتواطئ، ولم يستعد “الطائف” أنفاسه إلا بعد ثورة الرابع عشر من آذار، نتيجة التضحيات التي قدّمها الشعب اللبناني وفي مقدّمتهم المسيحيون في المعتقلات والمنافي وتحت التراب، وما انتفاضة رئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري بوجه مغتصبي وثيقة الوفاق الوطني التي دفع ثمنها بالاستشهاد في 14 شباط 2005 سوى المثال الأكبر.

ثالثاً، إنّ أكثر مَن انتهك اتفاق الطائف والشراكة الحقيقية هو مَن لم يلتزم تسليم سلاحه للدولة اللبنانية والخروج من مرتع اللاشرعية، كما إنّ أكثر مَن تمترس في مواجهة هذا الجنوح الشاذ هو “القوات” نفسها، إيماناً بها بالدستور والدولة والعيش المشترك السويّ.

رابعاً، مع رفض اعتبار بأنّ جزءًا من الاشتباك السياسي في لبنان وقع بين السنّة والشيعة كما سوّق جزيني، باعتبار أنّ المواجهة هي سيادية وطنية بامتياز، وما استشهاد رجالات ثورة الأرز من كلّ الطوائف على يد “أعداء الدولة” أكبر مثال، لا يمكن سوى وصف اتّهام “القوات” بالنأي بالذات عن هذا الاشتباك على أنّه “نكتة ساذجة” لا تنطلي على أحد.

خامساً، اصطفت “القوات” مع كلّ أحرار لبنان، بكلّ مشاربهم، في مواجهة مشروع “الشرّ” الذي تسعى إليه الدويلة، ووقفت إلى جانب كلّ المكوّنات، فرفضت شيطنة السّنة عندما اتُّهموا بالداعشية، ورفضت عزل الدروز عند محاولة تركيب ملفّات أمنية لرجالاتهم، ورفضت وضع الشيعة في خانة حزب الله فأصرّت على التواصل مع الأحرار منهم، كما تصدّت ميدانياً لعزل السراي الحكومي في 7 أيار العار، وأصرّت على التواصل مع كلّ رجالات السنّة الروحيين والمدنيين يوم طوّقتهم حملات أرتال الأنظمة البائدة بالمكائد والتلفيقات.

سادساً، “القوات” لم ولن تنأى بنفسها عن أيّ مواجهة وطنية تتطلّب تقديم كلّ ما يلزم دفاعاً عن مشروعها السيادي وبناء الدولة، أمّا مَن يُسأل عن موقفه من اتفاق الطائف ومن مواجهة الدويلة هو مَن يلتزم الصّمت على كلّ ممارسات حزب الله ومَن يرتضي مسار المسايرة وتدوير الزوايا السيادية والرضوخ لإملاءات الحاكم المسلّح لقاء وجود ذمّي أو مغانم زائلة، ومَن أصرّ على تضمين كافّة البيانات الوزارية معادلة الشرور المعادية للطائف “شعب جيش مقاومة” حينما تحفظّت “القوات” وحدها عليها.

سابعاً، وضع “القوات” مع تيار سياسي لا يهمّه سوى السلطة، غطى السلاح اللاشرعي واستسلم لإرادته الإقليمية والتزم مشروعه الشمولي والإلغائي للدولة، هو جريمة أخلاقية بحقّ الذاكرة الوطنية ومحض خديعة وتجنّ وطعن لكلّ الواقع والتجارب والأحداث والمحطات، فخيارات “القوات” وذاك التيار ومَن يُشبهه هي خيارات متناقضة في الممارسة قبل القول والشعارات.

أخيراً، لا بُدّ من إعادة تأكيد مسلّمات “القوات” التي ما أخذتها إلّا عن قناعة مطلقة والتي تقوم على وجوب قيام الدولة الكاملة لا المنتقصة، إذ لا يحكم سوى الدستور والقانون والشراكة الحقيقية والمساواة والعدالة والحرية؛ “القوات” راسخة في موقعها، ولو بقيت وحدها، بمواجهة كلّ فصيل يرفض الانضمام للدولة ويسعى لإسقاطها، أمّا إلى الصحافي أيمن جزيني الذي أمعن بالأكاذيب دعوة واضحة وصريحة بالعودة إلى سيرة “القوات اللبنانية” ومسارها علّه يستنبط منها بعضاً من الوضوح في الرؤيا والثبات في نقل الحقيقة وينسج من قُماشتها رداءً من المصداقية التي لا تُمسّ مهما استعرت الفبركات والتلفيقات ومخيّلات “المطابخ الغيورة”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل