#dfp #adsense

بول عنداري… هذه شهادتُك!

حجم الخط

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1731

«ترحلُ الترانيم إلى جبال الثلج ..في رحيلٍ متواصلِ الزمان والمكان مع أولئكَ المُجتازين مسافات الصَّقيع ومسالكِ الزَّمهرير والطّبائع المُكفهرَّة  والنَّوايا المُزمجرة، أولئكَ المَدعوين مِن جبلِ القطّارة على رجاء أن يصعدوا صعود المُعجزة إلى جَبَلٍ باتَ إنقاذُه من هِمَّةِ ومُهمّة مُجترحي الأعاجيب!

«تُشعلُ الذِّكرى جزءًا من إله».. كم كان بودِّكَ وودِّنا لو حمى خاصرة بحمدون من ذلك «لكمِّين» الكابوس والذي جعل الحكيم يتفرَّس بوجهكَ متفحِّصًا ملامحَكَ إن كنتَ فَطِنتَ إلى مغزى جواب نادر للحكيم لحظة طالبه بمعالجة طلائع الدبّابات بالصواريخ: «أنطوان ما عاد يستطيع ذلك»… وهل كان يسوع المصلوب أكمَل معركة صلبِه لو شاهد بأمِّ عينيه القانيَّتينِ أخاه مُجندَلاً أمامه؟!

« تتابعُ المسيرةَ نحو كنيسةٍ».. وحدها كنيسة سيدة بطلون لم تتسرَّب إليها أنانيّة كنائس النفائس والنقوش والمُنمنمات الفنيّة، كانت في رهبة تلك اللحظات هي الكنيسة المُجاهدةُ التي أوكلتَ إلى ظلِّ حمايتها «أنطونين «من مهجة المِهجِ ورحيقِ الأنفاس، أنطوان ما زال ينتظرُ يوم رجوعه العاشق لسنديانة كنيسة مار سابا عبدين، وأنطون يستعجل العودة ليكون زينة شباب وراس الدبكةِ الحدشيتية ليل 4 أيلول «أبو ريشه الحكيم» على وسع ساحة مار رومانوس الشهيد حدشيت!

 

« الجبل حقيقةٌ لا ترحم»

3 أيلول 1983 وفي نقطةٍ لهّابةٍ بين بحمدون المحطّة وأول عاليه وقف الكولونيل الإسرائيلي أميرام يُطلِقُ عليك نار ودخان هذه العبارة :»تستطيعون الآن أن تفنوا بعضكم بعضًا… لكن دعونا نبتعدُ قليلاً». جملةٌ واحدةٌ قذفها كالقنبلةِ الإنشطاريةِ جنديٌ عبريُّ مِن سبطِ ربِّ الجنود كشفتِ الحقيقةَ الصَّعبةَ عن خبايا وخفايا قادةٍ إعتبرَ كلُّ ضريرٍ منهم أنَّه ركنٌ مركزيٌّ مِن أركان سفر الرؤيا!

5 حزيران 1982 إنطلقت عملية «سلامة الجَّليل» بتعاضدِ وتلاقي ثلاثةٍ مِن أصلبِ الأعمدة القيادية النّافذة المرهوبة الجانب، وزير خارجية أميركا ألكسندر هيغ وأريال شارون ملك اليهودية الجديد وبشير الجميل حلم أحلام لبنان الوطن الأثبت. أولئك الثلاثة غاب كلٌّ منهم بظرفٍ مختلف ليحلَّ محلهم في مراكز النفوذ مَن هم الأقرب إلى المراهقةِ الاستراتيجيةِ التنظيمية السياسية العسكرية!

إتفاقية 17 أيار 1983 بين توقيعٍ وإلغاء كانت لعبةُ المقامرةِ بالسُّمِّ الزُّعاف مع أشرس ثعابين صهيون بعد أن دارتِ الأيام وتراقصت على وَقع أسطوانة «يا مال الشّام يلله يا مالي « .. ولأنَّ المُرابي اليهودي لا يُسامح بفائدة دينِ فلسٍ واحدٍ فقد تمَّ ارتكاب «الإنذار الأول» داخل حي عاليه الغربي بكيانه المسيحي الشعبي والسكني، فأتى هدمُه نتيجةً لمكابرةِ أخلاقٍ هزيلةٍ هزليَّةٍ بادلت بقاء أهل الدار في ديارهم ببقاء أهل القصر في قَصرِهِم وقِصَرِ بصائرهم.. ولمّا لم يكترث فخامةُ العناد كان أيلول 1983 المبلول بكُلِّ ما سُفِك من دماء وأُزهِق من أرواحٍ وسُحِل مِن جَنى أعمارٍ، وبكلِّ ما حيكَ من دسائس لتأديب إبن عم «خليل الكافر» وتأديب أرواحٍ متمردةٍ تخطّت حدود كتف قاديشا وجبّة بشراي واقتحمت معاقل الخُلفاء البيكاويين المشائخيين، ولمّا لم يُفلِحُ خبطُ الخاتم الرهباني للراهب القورشيّ الفَذ الأب العام بولس نعمان على زجاج المكتب الرئاسي في تحريك عسكر الشرعية من جسر القاضي باتجاه بحمدون، ولمَّا صمدَ الصامدون الأسطوريون 72 ساعة بدل السبع ساعات المطلوبة منهم وسط جلجلةٍ توازي ألف جلجلة، زحل الجبلُ إلى دير قمر 1860 ثمَّ تقوقعَ داخل باخرةٍ مُستوحاةٍ من سفينة نوح ومرفأ «هو مرفأ الجيّة» مستوحى من جبل أرارات!

هذه شهادتُكَ

هل ما زال بيننا شهودٌ يستحقّون مرافقتِك ليالي جمعة «عيلة مار شربل» يجتازون معك مسافات الصلوات والتراتيل الشربلية بين كنيسة دير مار مارون عنايا وجبل محبسة مار بطرس وبولس كأنَّهم يختبرون سلوكيات ومسالك تلكَ الأجيال الإيمانية التي اجتازت رحلة البقاء المحفوفِ بكل إرادة الإستشهاد، عابرةً وادي العاصي إلى أوعَر وعورة جبال لبنان وليس لها ضمانةٌ إلاَّ وعدُ آية شجاعة ليست من هذا العالم: «لا تَخف أيها القطيع الصَّغير»؟

هل ما زال بيننا مُشاهدون إستثنائيون يشاهدون بعينيك «إبتسامة إدي الأسمر تحت الخوذة».. و»جسد غازي هارون يتقطَّع على جَبَل» .. ثم يتشظّى تشظّي خبز القرابين؟ وهل بيننا رؤاةٌ تتراءى لهم هامة «السُّنبُك» وهي بقامة أعلى شجرة أرز؟ وهل بيننا مَن يلاحظ مع «أندريه متّى» أنَّ والدة الشهيد لا يقتصر دورها ومكانتها على أن تكون عاملة تنظيفٍ؟!

وهل أنقذت شهادتُك بعض المسيحية اللبنانية من نوباتِها الفكرية الهستيرية التي رفعت عام 1989 صنم الإله مارس في ساحات قصر الجمهورية اللبنانية ذاك الضَّابطِ الصَّغير المًستجدي كرسيّه الخليع من سيده «القائد الكبير» فالتهبت مناطقنا الحرة بكل ما عند نيرون من كبريت ونار ودمار، وصولاً إلى ما بعد بيروتشيما 4 آب  2020؟

وهل البطولات القصوى التي امتلكها مارون وديع فوق جبل عرّام توازي قساوة بطولته ليل 18 كانون الثاني 2016 بين الرابية ومعراب؟!

 

بول عنداري

كثيرون انتظروكَ أمينًا على الكثيرِ والأكثر ليعود كثيرون من كل بعيدٍ وتباعدٍ وأبعاد، وليستعجل الأبناءُ الشّاطرون يوم العودة إلى ميراث الأبوة الموروثة منذ 1600 سنة من أب آباء المقاومة اللبنانية أبون يوحنا مارون، ولكنَّك حيثما تكون وكما كنتَ دائمًا أنتَ جماعةٌ يتَّسعُ لها شخصٌ واحدٌ، وأنتَ شخصٌ واحدٌ في كامل مساحة الجماعة المنتمية بالنذر والعهد لرهبانية الأساكيم الزيتية!

شهادتُك المُهداة «إلى شهداءَ قديسين يرفعون الأرض إلى مستوى السّماء ويحفرون الكرامة بجراحهم على جبين لبنان». شهادتُك الشاملة أحداثنا وحوادثنا اللبنانية منذ ثورة 1958 حتى يوم 30 نيسان 1990، لحظة تسليم البندقية والإنصراف إلى سلامٍ موعود مفروضٍ عاش هاجس مخاطرته معنا البطريرك دانيال الحدشيتي والبطريرك جبرائيل حجولا والمقدّم بنيامين الحرديني…

لهذا الإهداء البولسيُّ العنداريٌّ إهداءٌ من تاريخية موقعة مثلّث جسر الفيدار ـ جبيل ـ وادي حربا عام 1293 :بعد أن تمَّ سحق مئة ألفاً من جحافل المماليك على يد ثلاثين ألفاً من فرسان جبل لبنان بقيادة ثلاثين مقدّمًا يتقدمهم المقدم بنيامين الحرديني والمقدم عنتر العاقوري والمقدم خالد المشمشاني، سافر البطريرك الماروني إرميا الدملصاوي إلى روما لشرح قضية شعبِه للبابا مارتين الرابع وكان الطقس عاصفًا عصف تلك الأيام، فكانت الرحلة البطريركية أشبه بدرب جلجلةٍ بحريّة في صَخَبِ الأمواج وعتوِّها. فوصل الزائر اللبناني روما بأعجوبةٍ تشابِهُ أعجوبة التلاميذ المُهدَّدين بالغرَق لولا استيقاظ المعلم، فدخل الجناح البابوي بثياب مهلهلةٍ رثَّةٍ، فـدمعت عينا الأب الأقدس وقد ظنَّ بأنَّ السفينة البطريركية قد تعرّضت لغزوة قراصنة البحر، فسألَ زائره أرميا الدملصاوي :»مَن هم الذين سلبوك ثيابكَ الحبرية يا أخي البطريرك»؟ فأخرج بطريرك الأمة المارونية من عبِّه إنجيل رابولا وصليبًا  من سنديان لبنان، وأجاب الحبر الأعظم مارتين الرابع :»هذا الإنجيل وهذا الصَّليب هما مَن سلباني ثيابي البطريركية، وهما من سلبا شعبي راحةَ بالِه وهناءةَ عيشه وأمنَه وأمَانَه وسلامَه!!!

 

رفيقي بولس الرسائل اللبنانية

من الحقائق التي ترحم النوايا والمقاصد هي أنّني كتبت عنكَ بدون علمك وإعلامِك مُسبَقًا، لأنَّني وبحسب خبرتي الرهبانية العميقة أعلمُ جواب أهل المحابس لأيِّ مُتلهِّفٍ لأن يكتُبَ عنهم ما يُمليه نور سراجهم الذي فوق مكيال هذا العالم وأنتَ لا تُريدُ شيئًا من أمجاد المُدوَّنات الدنيوية إلاَّ أن تقول عن نفسِك فقط ما قاله سميُّكَ رسول الأمم: «قد تمَّمتُ سعيي وحفظتُ إيماني»!!!

مثلما استصرَخك أخوة ورفاق أنطوان حنا العنداري أن تُحيي أصواتهم ووجوههم فينا، كذلك أستسمِحُكَ إن أنا أعتبرت كلَّ كلمةٍ أكتبها عنك سندًا تستندُ إليه روحي المستعدة داخل جسدي الأشَلّ!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل