يحلو للبعض وضع الخلافات الحكومية في إطار لعبة توزيع الأدوار بين مكوّناتها، انطلاقا من مصلحة حزب الله بعدم إظهار الحكومة الميقاتية بأنها حكومة الحزب، وذلك إفساحا في المجال أمامها للقيام بالمهمّة المنوطة بها، أي وضع الشرعية اللبنانية في مواجهة الشرعية الدولية، وبالتالي عدم تعريضها لعزلة دولية تفقد حزب الله أداة أساسية في مواجهته، هذه الأداة التي افتقدها طوال السنوات الممتدة منذ انتفاضة الاستقلال حتى إسقاط الحكومة الحريرية، خصوصا أنّ الإمساك بمفاصل السلطة يقع ضمن أولويات الحزب تمثّلا بنموذج الوصاية السورية، مع فارق أنّ وصاية الحزب على الحياة السياسية اللبنانية تشكّل سابقة فريدة من نوعها في التاريخ اللبناني لجهة هيمنة فريق أو جماعة محلّية على سائر الفرقاء أو الجماعات اللبنانية.
وفي موازاة حرص حزب الله على إظهار الحكومة بأنّها ليست حكومة اللون الواحد حيال المجتمع الدولي، يعتقد أصحاب نظرية لعبة توزيع الأدوار، أنّ من مصلحة الحزب إنجاح مهمة الرئيس نجيب ميقاتي لجملة أسباب أهمّها طيّ صفحة الحريرية السياسية وإحداث اختراق "نوعي" داخل البيئة السنّية على غرار الاختراق "النوعي" داخل البيئة المسيحيّة بواسطة العماد ميشال عون، فضلا عن اختراق البيئة الدرزية عبر إخضاعها لمنطق القوّة، لأنّه يستحيل على الحزب إدارة البلاد فئويّا، وبالتالي من مستلزمات إنجاح مهمة الرئيس ميقاتي تصويره بأنّه على تناقض مع الثنائي حزب الله-عون بدءا من تمسك رئيس الحكومة بالمحكمة الدولية وتمويلها وصولا إلى تشدّده سنّيا وعدم التساهل حيال المطالب العونيّة.
قد يكون ما تقدّم صحيحا، وهو جزء من تكتيك سياسيّ يعتمده حزب الله، غير أنّ المشكلة الأساس لدى أصحاب نظرية توزيع الأدوار تكمن في رؤيتهم لهذا الحزب بأنّه قوة عظمى لا تقهر، وبالتالي من غير الوارد، بالنسبة إليهم، أن تكون الخلافات والتناقضات الحكوميّة التي شلّت الحكومة هي خلافات واقعيّة وحقيقية، لأنّ ضابط إيقاع الحكومة باستطاعته حسمها في هذا الاتجاه أو ذاك ومن دون معارضة تذكَر، على قاعدة أنّ من باستطاعته إسقاط حكومة وتشكيل أخرى وإلزام مكوّناتها بالخطوط الاستراتيجية الكبرى من تثبيت السلاح إلى الإطاحة بالمحكمة وما بينهما إعادة تلزيم السياسة اللبنانية الخارجية إلى سوريا، لن يصعب عليه حسم ملفّ الكهرباء لو أراد فعلاً ذلك.
ولكن في الحقيقة أنّ حزب الله غير قادر على الحسم، وعلى أصحاب النظرية المنوّه عنها أن يقتنعوا في ذلك، فالضاحية ليست عنجر، والظرف السياسيّ من المناخ الدولي إلى الثورات العربية وما بينهما الممانعة الداخلية يختلف جذريّا عمّا كان عليه إبّان الوصاية السورية. قد يكون باستطاعة الحزب فرض عدم الاستقالة، ولكن هذا أقصى ما يمكنه فرضه على مكوّنات هذه الحكومة، لأنّ استقالتها تعوّم الحريري و14 آذار وتشكّل ضربة موجعة للحزب واستراتيجيته وتفقده في هذه اللحظة المفصليّة القدرة على الإمساك بمفاصل البلد الأمنيّة والديبلوماسيّة والسياسيّة.
ولعلّ أبرز ما يمكن استخلاصه من الأزمة الحكوميّة أنّ حزب الله أعجز من وراثة سوريا في لبنان، وأنّ الخلافات الحكومية هي خلافات فعليّة وليست توزيعا للأدوار بين مكوّناتها. فالرئيس ميقاتي لن "ينتحر" في سبيل الحزب، وموقفه من تمويل المحكمة ليس مناورة، وهو سيذهب إلى النهاية في هذا الموقف، كما أنّ إسقاط بند التمويل داخل الحكومة سيضعه في مواجهة مع الحزب الذي من غير مصلحته أيضا إضعاف رئيس الحكومة الذي كان له الفضل بإيصاله. كما أنّ ميقاتي لن يتهاون في ملفّ الكهرباء ولن يتراجع عن جملة المقترحات التي أدخلها من تجزئة التمويل إلى التأكيد على الدور الرعائي للحكومة ماليّا وإداريّا وتشكيل الهيئة الناظمة، وغيرها من الأفكار…
وما ينطبق على الرئيس ميقاتي ينسحب على النائب جنبلاط الذي يتمسّك بمواقفه تحت عنوان "تقنيّ" لا سياسي تجنّبا لإحراج حزب الله، ولكن مواقف سيّد المختارة هي في عمقها وأبعادها سياسية بامتياز لإعادة الوصل والربط، ولو بشكل غير مباشر، مع 14 آذار والمرحلة المقبلة. أمّا العماد عون، وفي ظلّ عجز الحزب عن الحسم مع ميقاتي وجنبلاط، وعدم قدرته على الاستقالة، عاد ليلجأ مجدّدا إلى لغة الابتزاز وإثارة النعرات، التي يتقنها بامتياز، بغية شدّ عصب المسيحيّين على أبواب مرحلة انتقاليّة وتحوّلات استراتيجية لا تصبّ في مصلحته.
لو كان باستطاعة حزب الله الحسم لفعل ذلك حكما، إذ من غير مصلحته دخول الحكومة، التي كان وراء تشكيلها، باكرا في خريف عمرها. وإن دلّ هذا الوضع على شيء فعلى أنّ "ضعف المركز"، أيّ النظام السوري، ينعكس على الأطراف، حيث إنّ وضع الحزب أصبح بمثابة "الرجل المريض" الذي كان يطلق على السلطنة العثمانية التي وإن طال سقوطها، غير أنّ هذا السقوط كان حتميّا. ولكن يبقى أنّ حزب الله ليس السلطنة العثمانية، والحكومة التي شكّلها بات غير قادر على ضبطها، والخلافات داخلها مرشّحة للتصاعد والتفاقم وصولا إلى سقوطها الحتميّ.
