الشرعية المُشتهاة
اقتراح ترحيل بند "المقاومة" من البيان الوزاري الى مؤتمر الحوار الوطني مع اعلانه بندا خلافيا جوهريا، يمثل حلا معقولا لكونه يعكس صورة الانقسام السياسي حول هذا الموضوع، وحيث نجد غالبية لبنانية تعتبر سلاح "حزب ولاية الفقيه" خطرا على الوطن والمواطن والدولة على حد سواء. من هنا استحالة اعادة منحه شرعية فقدها اكثر من مرة، وآخرها في غزوة بيروت والمناطق التي شهدت تحويل السلاح صوب صدور اللبنانيين العزل، فصار مادة خلافية كبرى تتجاوز الشق الميداني لتشمل النظرة الى لبنان الكيان، والنظام، والصيغة.
هذه هي معضلة البحث في امر سلاح يخطئ من يظن انه بالقوة كتلك التي استخدمت في السابع من ايار، او تلك التي ربما تستخدم مستقبلا، يمكنه ان ينتزع للمقاومة شرعية من ملايين اللبنانيين الرافضين الخضوع والاذعان لمنطق الدويلة على حساب الدولة.
واذا كان واجب الاستقلاليين في الرابع عشر من آذار او خارجه الحفاظ على الوطن، والدولة، والسلم الاهلي، فإن من اولى الواجبات الحفاظ على فكرة الدولة، وفكرة المساواة امام القانون. ومشروع "حزب ولاية الفقيه" كان وسيبقى نقيض الدولة والمساواة. ففي حين يواصل امتصاص امكانات الدولة الجامعة، يهم بتوسيع دويلته على حسابها. وفي حين ينتظم جميع اللبنانيين تحت راية القانون، فإن الحزب المذكور يضع نفسه فوق كل القوانين بدءا بتمسكه بسلاح فئوي بإمتياز، وتمنعه عن الخضوع لأي سلطة رسمية في البلاد.
إن ازمة البيان الوزاري ليست الاولى ولن تكون الاخيرة. والضغط بالنار( اشتباكات طرابلس مثالا) على الاستقلاليين ليس بالجديد، وسيظل سمة مرحلة ما بعد 7 أيار عند كل منعطف سياسي. والبروباغاندا الاعلامية حول "دولة المقاومة"، و"نهج المقاومة" كانت وستبقى اداة لبسط هيمنة فئوية على اللبنانيين. ومع ذلك لا يملك الاستقلاليون ان يستمروا في نهج التنازل الى الابد، كما لا يملكون ان يستمروا في السكوت عما لا يمكن السكوت عنه. والحال ان الارادة التسووية لا يمكن ان تعني استسلام الكيان بأسره للدويلة ومنطقها، مهما قويت شوكتها الامنية والعسكرية. فالتحدي الاساس اليوم يقوم على الاستمرار في المسار الاستقلالي المراهن على الدولة، وفي الوقت عينه حماية الكيان والانسان من اخطار داهمة ثبت انها لا تأتي فقط من الخارج وانما من الداخل ايضا!
يستفاد مما تقدم ان الاستسلام لمنطق القوة ليس خيارا، وبالتالي لا شرعية يجوز منحها لسلاح "حزب ولاية الفقيه" مهما تعاظمت الضغوط الميدانية. والامر نفسه ينسحب على مسألة الانتخابات المقبلة. وقد احسنت قوى 14 آذار برفعها شعار: "لا انتخابات في ظل سلاح حزب الله" استنادا الى واقع يؤكد استحالة حماية الجيش والقوى الامنية العملية الانتخابية مع استمرار تدفق السلاح "المقاوماتي" على جهات مليشيوية عدة، وخصوصا مع بقاء خيار العنف والترويع الامني اساسا في سياسة "حزب ولاية الفقيه" في الداخل اللبناني. وما دام السلاح منتشرا، وقرار الدولة الامني مشلولا على النحو الحاصل اليوم، فكيف تكون هناك دولة؟ وكيف نضمن حرية الممارسة الديموقراطية؟
خلاصة القول، إن سلاح "حزب ولاية الفقيه" هو جوهر الخلاف، بل انه جوهر ازمة الكيان، وخصوصا بعدما جرى تحويله نحو اللبنانيين في الداخل، لذلك نرفض منحه شرعية لا يستحقها.
والى ان يحين زمن الحلول الكبرى في المنطقة، يمكن نهج العنف ضد الاستقلاليين ان يتواصل، لكن من المؤكد ان السلاح لن يأتي بالشرعية المُشتهاة. هذا بيت القصيد!