#dfp #adsense

هنا معراب… يا وطن الشهداء الأحياء

حجم الخط

 

لم ينسحب الضباب الذي ظلل معراب في تلك الأمسية، على المواقف المدوية الوضوح، التي اطلقت من وعظة المطران أنطوان نبيل العنداري، ومن ثم من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. لف ضباب ايلول المكان ليضفي تلك اللمسة الغريبة من الحنين وذاك الشجن الدافئ. هو الحنين لمن استشهدوا كي نبقى، هو الحنين للصلاة الحنونة لأرواح تشعر انها ضيف المكان قبل كل الناس، هو الحنين لوطن لا نرى منه صورة حقيقية ناصعة الا فوق في معراب، وخصوصاً في قداس شهداء المقاومة اللبنانية.

آلاف الأسماء هنا، البشير هنا، عيون الأمهات والاباء والاهل الذين توافدوا من كل لبنان، تسرح هنا، تقف قليلاً عند لائحة الأسماء العملاقة، يبتسمون عندما يجدون أسماء فلذاتهم، يحملون الاحبا لـ صاروا صور، ويجلسون الى أماكنهم.

غصت الساحة الفسيحة بناسها، أهالي شهداء، رفاق من كل لبنان، منظمون، سياسيون، ولكن في الساحة ذاك السكون الغريب الذي يسكن كل تلك العجقة، سكون هيك يلبس رهبته وكأن فوق رأسه الطير، هي رهبة حضورهم فينا وبيننا، هو الضباب الناعم الذي بدا وكأنه يحمل أطيافهم فوق رؤوسنا ليصبح الندى دمعا والدمع حنين الأيام…

هنا معراب، وكلنا كنا هناك. هنا معراب وكلنا نتمنى أن يكون كل لبنان كما هناك. هنا معراب ومن هناك فقط نجد خريطة الطريق لعودة لبنان الى لبنان.

دخل الحكيم وستريدا، بدأت مراسم الاحتفال. دخلت أفواج كشاف الحرية، خبطة أقدامهم تضرب الأرض بعز الشباب، بمشعل الامل، بعزة النفس تلك وبروح النضال. شباب وصبايا متل قلب النهار، هم نبض القوات اللبنانية، يدخلون وتكرج معهم عيون القواتيين كمن يريد ان يحميهم برموش العين، وعين الحكيم والقوات عليهم ليكونوا مشعل الحق والكرامة الذي لا ينطفىء.

صعد الكهنة الى مكانهم عند المذبح المزين بديكور لكنائس مارونية عتيقة، بدأ الكورال ترانيمه، وبدأت مراسم الذبيحة الإلهية. رهبة الخشوع تعانقت والضباب المنسحب من الجبال المحيطة التي تسيّج الساحة، غريب هذا الشعور، بدا كل شيء رقراق وكأنه يتماهى مع الاهالي وصور أبنائهم التي تسكن احضانهم. تدمع بسخاء ام دافيد ملاحي، شهيد تفجير المرفأ، هم أيضاً كانوا هناك مع الشهداء، حيث يليق بهم ان يكونوا وحيث لا نعرف ما اذا كنا نستحق شهادتهم، في وطن حوّل الأبناء الى وقود الجحيم ليحيا الرئيس والسيد والزعيم المفترض وليتفجّر الوطن…

حان وقت عظة المطران أنطوان نبيل العنداري، لم تكن مجرد عظة، بل تأنيب لكل من يبيع لبنان رخيصا لأجل غير أوطان، صرخة مدوية بوجه كل من حوّل لبنان الى سوق نخاسة لأجل حفنة مناصب ومكاسب، تنبيه الى ان لبنان ارض القديسين عبَر فوقها كثر كثر ورحلوا هم وبقيت الأرض لأهلها.

بنبرته الهادئة وجه المطران الذي مثّل البطرك الراعي رسائل صارخة في الاتجاهات كافة، لمن يريد ان يسمع ولمن لا يريد ان يسمع، أن “شهداء المقاومة اللبنانية وشهداء بيروت وكل لبنان الذين روت دماؤهم هذه الأرض، يصح فيهم ما قاله الشاعر “اخلع نعالك قبل دوس ترابه فتراب لبنان من رفات شبابه”. ثم تساءل “إلى متى يستمر النزف في قلب لبنان؟ لبنان مهما جار الزمان عليه أرض مقدسة، وليس مرتلا للإرهاب والمجرمين”.

ولم يتردد عن الدخول مباشرة في صلب الموضوع حين صرخ كلمة حق لا تتجزأ “لا للتوطين ولا للنازحين… واذا كنا نريد حقا بسط السيادة واعادة الأمن والاستقرار في بلادنا، فلنحفظ المصير وليكن ولاءنا للبنان ولنبتعد عن المحاور بالحياد الايجابي والناشط كي نبني للأجيال في الوطن”. الله يا سيدنا الله على صرخة الحق تلك، صرخة الكنيسة لاجل ابنائها وكل لبنان، صرخة الثائر الأول السيد المسيح في الهيكل، وربي ان يأتي من يتمثل به ويحطّم الهيكل الفاسد ذاك فوق الرؤوس التي امتهنت دمار لبنان…

انتهت مراسم القداس، حمل الحكيم الشعلة وقدم التحية لنصب الشهيد، صعد الى المنصة وكان الخطاب الذي أشعل أقلام الخصوم ولم تنطفىء نارها حتى اللحظة، ولن تنطفىء الى حين رحيل ذاك العهد.

يقف الحكيم الى تاريخه النضالي الطويل، وتاريخ رفاقه الاحياء والشهداء، يحمل ذاك الاراث العريق المبلل بالدماء والدموع والفخر، ويعلن مواقفه المدوية. لا يستطيع سمير جعجع الا ان يكون سمير جعجع، ذاك المقاتل الشرس في بدلته الزيتية، وذاك المناضل الشرس في بدلته الرسمية. لا يستطيع سمير جعجع الا ان يكون هجوميا حين يجب، مهادنا حين يجب، ولكن حتى في الهدنة ثمة صراخ وثورة، هو صراخ الحق ثورة الأرض، صراخ وطن منكوب منهوب مدمر جريح يقف على الحد الفاصل بين مناضلين شرفاء شجعان لأجله، وعملاء فاسدين محتلين يفككون اواصره على مدار الثواني، والرب بيننا، الرب بيننا وهو الضمانة الوحيدة والاكسير الوحيد الحقيقي لاستمرارية نضال الشجعان واستبسالهم في الدفاع عن لبنان، وسمير جعجع على رأسهم.

“ارفعوا أياديكم عن رئاسة الجمهورية، ارفعوا أياديكم عن اللبنانيين، ارفعوا أياديكم عن لبنان. فشعبنا في الوقت الراهن يعدّ الأيام، يوماً بعد يوم، لحظة بعد لحظة، لينتهي العهد الحالي، في الوقت الذي يحنّون فيه للـ 21 يوماُ من عهد بشير الجميل ويتمنّون لو يعيشونه من جديد رغم مرور 40 عاما”،

قال وجنت الساحة بالصراخ والتصفيق. لا يوارب الحكيم في مواقفه، الحقيقة والحقيقة ونص كما هي واكثر “بعد أسابيع رح يطلعوا من القصر…ورح يطلعوا من التاريخ كمان”، حجز الحكيم للتاريخ لحظة مجيدة ستكون بعد أقل من شهرين، حيث سيكون افول عهد اسود قاتم، ولتشرق من بعده شموس اخرى تنتظر بفارغ الكرامة تلك اللحظة.

“تاريخ لبنان لم يبدأ منذ 40 عاماً بل من آلاف السنين، انطلاقاً من هنا، نؤكد أن لكم لبنانُكم الغريب عن لبنان وعنا أيضاً وعن تاريخنا وهو غير قابل للحياة، ولنا لبناننا الذي عمره من عمر الزمن، وباق باق باق مهما طال الزمن”. هكذا تحداهم، بوطن الأرز الخالد مقابل وطن الفجور والموت الذي به يبشّرون. قال لهم بالحرف والصوت، لا مكان لكم في لبنان الرسالة، فاما ان تعودوا لبنانيين شرفاء انقياء واما هذه الأرض ستلفظكم كما الوباء.

كان السقف عالياً جداً، لكنه لم يكن الا قليل مما هم عليه ومما فعلوه بلبنان. هذا ما قاله سمير جعجع من على منبر معراب، وما بين البداية والنهاية رفع صوتا عالي الايمان والتمّسك بدور الكنيسة، هو ابن الكنيسة البار، التي منها تنطلق المقاومة اللبنانية واليها تعود “بكركي هيي يللي بتوجّه الرسائل، بكركي ما بيتوجّهلا رسائل”. فعلا التصفيق ورسم رهبان مشاركون اشارة الصليب على صدورهم.

انتهى الخطاب، تحلّق الرهبان وصبايا وشباب كشاف الحرية حول الحكيم، حاصروه الى درجة وقف شباب الامن عاجزين عن اختراق حصار المحبة والاحترام ذاك، تأثر الحكيم، عرف ان الاحترام والمحبة هم اقوى حماية لعمر المقاومة. بدأ الضباب يغمر ساحة معراب في ذاك المساء من ايلول، استراح الصراخ، انسحبت الجموع، بقي الشهداء، بقيت الكلمات عالقة على وجدان ساحة هي في الوقت الراهن وجدان لبنان الحقيقي الى ان يعود لبنان الى لبنانه. تركنا الساحة ولم تتركنا وبقي صوت الحكيم مدوياً يعلن بدايات قريبة مجيدة، بينما علا نعيق الغربان متلوياً يعلن افولاً قريباً مغمساً بالعار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل