#dfp #adsense

حرب فاشلة لقضية محقة… القبة الحديدية أقوى من صواريخ غزة

حجم الخط

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1732

يمكن إختصار نتائج الحرب الأخيرة بين إسرائيل وقطاع غزة بأنها كانت من دون أثر. لا إسرائيل تأثرت فعلاً ولا حركة الجهاد الإسلامي حققت شيئاً يُذكر. لا الحرب أدت إلى أزمة إقليمية استوجبت تسوية ما، ولا أحد من الدول الكبرى اكترث حتى لما جرى. حرب من دون معنى، أو نتائج أو تأثير يغيّر ميزان القوى بين الأطراف المتحاربة. وحدها القبة الحديدية الإسرائيلية أبلت بلاءً جيداً، فيما أغلب الخسائر تكبدها، كالعادة، قطاع غزة.

مع إطلاق أول صاروخ غزاوي باتجاه الأراضي الإسرائيلية، تذكر كُثر آثار الدمار والدماء والخيبات من الحروب السابقة. إنطلقت مئات الصواريخ نحو إسرائيل رداً على اعتقال أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي بسام السعدي، إلا أن قلة قليلة منها انفجرت في الأراضي الإسرائيلية، فيما أغلبها سقط من دون أثر بعد تفجيرها بالجوّ بصواريخ القبة الحديدية.

بدت الحرب في توقيتها خارجة عن السياق الطبيعي للصراع في الشرق الأوسط، وذلك في وقت يتغيّر كل شيء في الإقليم باتجاه تعزيز الأمن والسلام لا باتجاه المزيد من الحروب. إسرائيل تعمل على التقارب من الدول العربية، وتحديداً الخليجية منها، وترسي الإتفاقات والتسويات وتحل النزاعات. فيما إيران تتقدم في مفاوضاتها مع الغرب، و»حزب الله» اللبناني يصب اهتمامه، حالياً، على قضية الحقول النفطية قبالة السواحل اللبنانية والإسرائيلية حصراً.

لم يتلاقَ التوقيت «الغريب» للحرب بين قطاع غزة وإسرائيل مع النتائج، إذ كانت متوقعة تبعاً للقدرات الإسرائيلية العسكرية والتكنولوجية الهائلة وهشاشة تلك الغزاوية. لا غرابة حقاً في أن مجمل الخسائر تكبّدها طرف واحد، ولا غرابة بأن معظم الدول الإقليمية ما عادت أولوياتها هذه الصراعات الجانبية. حتى الطرف المصري ذو المكانة المعنوية في قطاع غزة لم ينشط دبلوماسياً بشكل استثنائي غير التحرك الموضعي خلال الحرب، ولا تركيا راحت تغزي مشاعر التعاطف مع الفلسطينيين، إنما أعلنت بعد أيام من نهاية الحرب عن عودة علاقاتها الدبلوماسية الطبيعية مع إسرائيل. عدا بعض البيانات الشاجبة والمستنكرة، وحدهم سكان المخيمات الفلسطينية تحركوا بعض الشيء في لبنان، ونظموا بعض المسيرات والعراضات التي سرعان ما انتهت مع التوصل إلى هدنة ووقف لإطلاق النار بين الأطراف المتحاربة.

هذا وكانت الحرب الصغيرة بين حركة الجهاد الإسلامي وذراعها العسكرية سرايا القدس من جهة، والجيش الإسرائيلي من جهة أخرى قد انطلقت في الخامس من آب، وشهدت على رمي صليات صاروخية من غزة، وردود عكسرية برية وجوية من الجانب الإسرائيلي. نجم عن الحرب مقتل حوالى 49 فلسطينياً، وإصابة حوالى 360 آخرين، ومقتل قائد المنطقة الشمالية في سرايا القدس في غزة تيسير الجعبري، وقائد المنطقة الجنوبية خالد منصور. أما الخسائر الإسرائيلية فلم تتخطَ، بشكل عام، بعض الأضرار المادية، وبضعة عشرات الملايين من الدولارات على شكل خسائر إقتصادية.

وكان من اللافت تزايد دقة القبة الحديدية التي تملكها إسرائيل خلال هذه الحرب، وذلك تبعاً لتزايد نسبة نجاحها في اعتراض الصواريخ القادمة من غزة. بعض الإحصاءات الإسرائيلية المتفائلة قالت إن نسبة نجاح القبة الحديدية بلغت حوالى 95 في المئة، واستطاعت إسقاط معظم الصواريخ الغزاوية حتى قبل خروجها من مجال غزة الجوي. بعض الإحصاءات الأخرى الأقل تفاؤلاً تقول إن النسبة بلغت حوالى 80 في المئة. على العموم، يبقى أن معرفة النسبة الدقيقة غير ممكن لارتباط هذا الأمر بالأسرار العسكرية الإسرائيلية، إلا أن المؤكد هو أن نسبة نجاح القبة الحديدية في تزايد مستمر إن قورنت بالحروب السابقة بين قطاع غزة وإسرائيل أعوام 2012، 2014، و 2018.

هذا ويُذكر أن نظام القبة الحديدية الدفاعي كان قد دخل الخدمة في إسرائيل بشكل جدي عام 2012، وهو برنامج دفاع جوي متطوّر يملكه الجيش الإسرائيلي ويستطيع تحديد وإسقاط الصواريخ القصيرة، المتوسطة وطويلة المجال القادمة نحو إسرائيل. كما أن هذا البرنامج الدفاعي هو جزء أساسي من الاستراتيجية الإسرائيلية العسكرية العامة، وهو، بمعظمه، مموّل من وزارة الدفاع الإسرائيلية ومن الخزانة الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، شهد هذا البرنامج تطويراً لافتاً خلال السنوات القليلة الماضية، إذ أدخل عليه نظام الليزر، وبات أكثر دقة في اعتراض الصواريخ القصيرة المدى، كما في تزايد سرعة تحديدها ورصدها بعد ثوانٍ فقط من إنطلاقها.

تعود قيمة هذا النظام ذي الكلفة المادية الهائلة، والتي تبلغ مليارات الدولارات، بأنه يُفقد أعداء إسرائيل الورقة الإستراتيجية الأساسية التي يملكونها؛ أي الصواريخ التي تهدد أمن إسرائيل. فتصبح معظم الصواريخ القادمة من غزة أو الضفة الغربية، أو حتى من جنوب لبنان وربما من إيران غير ذي فائدة، فيسقط معظمها في الأراضي التي أطلقت منها حتى قبل دخولها في المجال الجوي الإسرائيلي.

من هذا المنطلق، يمكن رؤية الحروب الرائجة على إسرائيل، والقائمة، بشكل أساسي، على إطلاق الصواريخ، غير ذي فائدة أو تأثير مهم. وهو الأمر الذي يجعل حروب «حزب الله» التقليدية المتوقعة، غير متكافئة البتة، طالما ستفتقد الصواريخ القادمة من جنوب لبنان لمعظم تأثيرها الحقيقي، فيما تستمر القدرات التكنولوجية والعسكرية الإسرائيلية في التطور.

بالعودة إلى حروب قطاع غزة وإسرائيل المتقطعة، والمندلعة كل حفنة من السنوات، من المؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال قضية مهمة وتحمل بزور النجاح في إنشاء دولة يوماً ما، إلا أن حمَلة هذه القضية يواجهون الفشل تلو الآخر، ويتكلون على عملية إطلاق الصواريخ بشكل أساسي خلال المواجهة، وهو إتكال لا يفي بالغرض في الحصول على تنازلات من إسرائيل.

مشكلة القضية الفلسطينية اليوم هي أنها محقة كما دائماً، لكن حمَلتها فاشلون في تعزيز القدرات على المواجهة الذكية مع إسرائيل. واستمرارهم في الإتكال شبه الحصري على إطلاق الصواريخ العشوائية لا يضر إلا قطاع غزة وسكانه، وربما غداً لبنان وسكانه.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل