
لعلَّ اللقاء الذي عُقد في دار الفتوى، السبت الماضي، للنواب السنة في لبنان، بدعوة من مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، شكَّل انطلاقة “قوية” وإعلاناً صريحاً عن البدء باستعادة التوازن لـ”الحالة السنّية” على المستوى الوطني العام، بعد حالة البلبلة التي سادت طوال الأشهر الماضية وعدم وضوح الرؤية، ما أدَّى إلى تراجع “نسبيّ” لناحية الدور والفعالية، بما لا يمكن للبلد تحمُّل نتائجه لناحية الإخلال بالتوازن الوطنيّ “الدقيق”.
ولا شك أن الثوابت الوطنية اللبنانية والمواقف التي أكد عليها مفتي الجمهورية دريان في كلمته الافتتاحية، بالإضافة إلى البيان الختامي الصادر عن اللقاء، تركت أثرها على مستوى الساحة السياسية الداخلية. ووضعت المواقف الصادرة ما يشبه خارطة طريق، إن اعتُمدت ربما تشكِّل فرصة للبنان للخروج من أزمته الخانقة. وسيتعيَّن على مختلف الفرقاء أخذ هذه المواقف في حساباتهم واعبتاراتهم، خصوصاً على أبواب الاستحقاقات الدستورية المقبلة، وأهمها انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
لكن أيضاً، لا يجب إغفال إطلالة تلك المواقف وتردداتها على الساحتين العربية والدولية، بما تضمَّنته من مواقف جامعة، والتشديد على نقاط أساسية واجبة التحقُّق، وُضعت في مرتبة أشبه بـ”خارج البحث”، كالحفاظ على ثوابت الطّائف والدستور، والعيش المشترك، وشرعيات لبنان الوطنية والعربية والدولية، وغيرها، خصوصاً أنها وردت خلال عرض مواصفات رئيس الجمهورية المطلوب للمرحلة المقبلة.
ناشر جريدة اللواء الأستاذ صلاح سلام، يؤكد، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “لا شك أن دار الفتوى تمثِّل اليوم المرجعية الروحية والسياسية للطائفة السنّية في لبنان، خصوصاً بعد تعليق رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري وتيار المستقبل نشاطه السياسي، وما حصل نتيجة ذلك من تشظٍّ وتشرذم وحالة ضياع في الشارع السنّي”.
ويشير، إلى أن “النتائج تمظهرت في الانتخابات النيابية الأخيرة، إذ اختفت الكتلة السنّية الكبيرة، وأصبح هناك مجموعة كتل صغيرة مناطقية، ولم يعد هناك كتلة سنّية كبيرة وازنة لها قرارها في السلطتين التشريعية والتنفيذية”، لافتاً إلى أنه “من هنا جاءت مبادرة مفتي الجمهورية لتقوم بلمّ الشمل من جديد، وتحاول إيجاد آلية لإعادة التوازن إلى المعادلة الداخلية ودور الطائفة السنّية في القرار الوطني”.
ويشدد سلام، على أن “لقاء دار الفتوى الأخير خرج عن إطاره الطائفيّ والمذهبيّ، وكان لقاء وطنياً بامتياز، لأنه طرح الثوابت الوطنية التي يجمع عليها كلّ اللبنانيين، بالنسبة للتمسك بالدستور، وباتفاق الطائف كميثاق للعيش الواحد في لبنان، وبإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري. وبالنسبة للتأكيد على دور ومكانة رئيس الجمهورية في السلطة التنفيذية وإدارة دفّة الحكم وترؤس السلطة والدولة في لبنان. أو حتى بالنسبة لدولة العدالة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات”.
بالإضافة إلى ذلك، يلفت سلام إلى أن “اللقاء أكد على أن لبنان لا يستطيع أن ينهض من كبوته، من خارج ثوابته في الالتزام بشرعياته الوطنية والعربية والدولية، وخصوصاً من دون المساعدة العربية، والتي من أجل الحصول عليها لا بدّ له من العودة إلى الصف العربي وعودة العرب إلى لبنان”.
وينوِّه، إلى أن “هذه الثوابت وردت في باب المواصفات المطلوبة في رئيس الجمهورية المقبل، سواء في كلمة المفتي دريان أو في البيان الختامي الصادر عن اللقاء. فالمطلوب رئيس جمهورية قادر على إعادة ترميم العلاقات العربية ـ اللبنانية، وإعادتها إلى سابق عهدها من المتانة والإزدهار”.
ويرى سلام، أن “بيان دار الفتوى وخطاب مفتي الجمهورية، أصبحا مرجعية، ليس للطائفة السنّية فقط، بل مرجعية للمواقف الوطنية”، لافتاً إلى أن “هذه المواقف تتلاقى بكثير من النقاط فيها مع مواقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ومواقف متروبوليت بيروت للروم الأورثوذكس المطران الياس عودة، وحتى بعض مواقف شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، وبعض مواقف المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى”.
ويؤكد، أن “هذه المواقف ـ الثوابت التي صدرت من دار الفتوى، في كلمة مفتي الجمهورية وفي البيان الختامي للقاء، سيكون لها مكانتها في الاستحقاقات المقبلة، لأنها تحوّلت إلى مرجعية ونوع من دليل للعمل الوطني الجامع في البلد، الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه في هذه الفترة”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
