إطار شيعي جديد؟ ثلاث إشارات
برزت في المشهد السياسي الشيعي في لبنان ثلاث إشارات منفصلة يمكن ان تؤسس لعلاقة سياسية جديدة بين الطائفة الشيعية وشركائها اللبنانيين كما بينها وبين الاطراف الاقليمية الفاعلة: زيارة النائب سعد الحريري للعراق واستقبال الملك عبد الله بن عبد العزيز السياسي الشيعي احمد الاسعد وتوزير السيد ابرهيم شمس الدين في الحكومة الاخيرة.
الحريري
من نافل القول ان أبرز هذه الاشارات الثلاث زيارة النائب الحريري للعراق وتحديداً لقاؤه المرجع الشيعي السيد علي السيستاني وزيارة الصحن الحيدري، بالاضافة الى اللقاءات التي جمعت الحريري والوفد المرافق وقيادات عراقية شيعية اخرى كالمرجع الشيعي السيد محمد سعيد الحكيم والسيد عمار الحكيم نجل السيد عبد العزيز الحكيم، ورئيس الوزراء نوري المالكي.
فالحريري حدد لزيارته، بين أهداف عدة، هدفاً واضحاً تمثل في الانفتاح على "الشيعية العربية" في مواجهة الاختراقات الاقليمية، وهي التسمية المهذبة لإيران. كما كان واضحاً ان الحريري مصر على حصر "المشكل" مع "حزب الله" بالشق السياسي وتنزيهه عن الشرخ المذهبي او في الحد الادنى التخفيف من مذهبية الصراع وتعزيز ابعاده السياسية.
وتعد هذه الزيارة محاولة الاستثمار الجدي الاول، في صعود حالة شيعية في المنطقة تسعى جادة الى تقديم نفسها كحالة مستقلة عن طهران ومشروعها. وليس ادل على ذلك من التوافق "الوطني العراقي" على معركة تصفية الابعاد الشاذة لظاهرة مقتدى الصدر وهي معركة يمكن القول انها ابرز ما سيبقى في الذهن عن رئاسة نوري المالكي لحكومة العراق.
كما ان الحالة الشيعية الصاعدة هذه تقدم نموجاً "عاقلاً" في إدارة علاقاتها بالغرب عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص.
ويمكن القول بقليل من المجازفة ان زيارة الحريري تمثل بداية القطيعة مع منطق "الشيعة – فوبيا" الذي وسم التعامل العربي مع العراق الجديد في ضوء نظرية الهلال الشيعي. وقد سمع النائب الحريري، بحسب مقربين منه، كلاماً واضحاً بشأن هذه النقطة إذ ناله عتب كبير على "اصرار الاخوة العرب على التعامل معنا كإمتداد لطهران". وكان لافتاً الاصرار في الاعلام العراقي على تقديم الحريري بصفته "الزعيم السني الارفع مرتبة الذي يزور العراق" منذ سقوط نظام صدام حسين.
ولعله من المفيد، لفهم الطبيعة الاستثنائية للزيارة و"وظيفتها الشيعية"، التنبه الى الاتصالات التي اجراها النائب الحريري فور عودته من العراق. فهذه الاتصالات شملت العلامة السيد محمد حسين فضل الله (المرجع المعارض لنظرية الولي الفقيه وابرز المدافعين عن اصالة النجف في مواجهة وكالة قم، بالاضافة الى الرئيس نبيه بري والشيخ عبد الامير قبلان لما لا يزال يربطهما بميراث الامام موسى الصدر، القائل بنهائية الكيان اللبناني.
الاسعد
شكلت زيارة السياسي الشيعي أحمد الاسعد للمملكة العربية السعودية ولقاؤه جلالة الملك عبدالله بن عبد العزيز وعدد من القيادات السياسية والامنية الاساسية في "فريق الملك" حدثاً شيعياً مهماً لا سيما ان المملكة متمسكة برفض تحديد موعد للرئيس بري بسبب ما تصفه مصادر سعودية بـ "خيبة امل كبيرة من عدم قدرة الرئيس بري على ممارسة اعتداله المفترض في الحياة السياسية اللبنانية خارج الوعود والخطب والتصريحات".
وعليه فإن استقبال الاسعد شكل نقطة تحول اساسية بشأن التعريف السعودي للقوى المعتدلة داخل الطائفة الشيعية في لبنان وقد يكون سحب من الرئيس بري "السبب" الذي جعله لفترة طويلة ضيفاً مميزا في الرياض.
ويشي الاستقبال المذكور باستعداد سعودي للعب دور ما داخل الطائفة الشيعية في لبنان عبر توطيد العلاقات بقوى جديدة يمكنها ان تلعب دوراً مركزياً في تصحيح "الخلل الايراني" في الطائفة.
وتكمن اهمية هذا الدور السعودي الجديد في انطلاقه من شروط العيش اللبناني المشترك بحيث يستند الى تعزيز الاعتدال بكل اشكاله لا سيما بين المسلمين بدل اللجوء الى رعاية التطرف السني في مواجه التطرف الشيعي على ما تقول التهمة الرائجة كما ينطلق من فكرة رعاية دوام التنوع كشرط ميثاقي للبنان.
شمس الدين
ولعله في سياق مسار هذا البحث عن شريك شيعي جاء توزير إبرهيم شمس الدين نجل رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الامام محمد مهدي شمس الدين.
كما جاء هذا التوزير فيما تتسع أكثر فأكثر، في اوساط قوى الرابع عشر من آذار، دائرة من يعتبرون ان الفريق السيادي اخطأ في العام 2005، حين غيّب شجرة الشريك السيادي الشيعي وراء غابة التحالف الرباعي.
آنذاك أجهضت "لحظة التخلي" الوليد الجديد "اللقاء الشيعي اللبناني" الذي خرج الى النور بعد أسابيع قليلة من جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري. يوم الولادة قال العلامة السيد محمد حسن الأمين إن "الشيعة في لبنان يحددون انتماءهم الوطني بصفته جزءا لا يتجزأ من النسيج الوطني اللبناني المتعدد". يومها أيضاً طرح العلامة الأمين جملة اسئلة في صميم الاشكالية الشيعية السياسية مستفهماً بشأن المشاركة الشيعية في انتفاضة الاستقلال التي اعقبت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري "لماذا يُراد للشيعة ان يكونوا موضع ريبة وتوجّس وتساؤل … لماذا أُريدَ للطائفة الشيعية الا تحضر في هذا المشهد الوطني العظيم؟".
كانت الاسئلة حارة والخطاب طازجاً والآمال كبيرة في ان تترجم "علنية الصحوة" الشيعية تلاقياً سياسياً يكسر الأحادية المفروضة من نظام الوصاية. لكن مقتضيات عدة عززت قبضة "حزب الله" (وأمل) على الطائفة.
وعليه يفتح توزير شمس الدين الباب امام تثبيت حيثية شيعية جديدة من خارج ثنائية "حزب الله" و"أمل" كما من خارج الشخصيات الشيعية المنضوية بشكل او بآخر في الحالة السياسية التي يمثلها "تيار المستقبل”. كما يفتح الباب امام كسر إحتكار الصفة التمثيلية للشيعة ويعيد وصل الطائفة "مؤسسياً" بخيارات كيانية لطالما كانت في صلب حراك نخبها السياسية والثقافية والدينية.
• • •
الاشارات الثلاث، وإن كانت منفصلة، تشير الى إمكان ولادة مشروع شيعي جديد على مستوى لبنان والمنطقة أو الاصح وصل الطائفة الشيعية في لبنان بالمشروع البادىء في المنطقة وفي العراق على وجه التحديد، وهو ما يرتب مسؤوليات جدية على الشركاء اللبنانيين كما على اللاعبين الاقليميين وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية. كما يرتب مسؤولية خاصة على النخب الشيعية لأن تسارع الى "تأطير حراكها" الجماعي والعلني مرة اخرى، لا سيما ان حراكها السابق هو ما اتاح ولادة الاشارات الثلاث كما ساهمت شجاعتها وصمودها (نموذج السيد علي الامين) في ابقاء جذوة الامل باستعادة الطائفة الشيعية الى موقعها الطبيعي داخل الكيان اللبناني.
التسرع في الحديث عن مشروع جامع ومحدد ينبغي عدم الوقوع في فخه كما ثمة مخاوف محقة من لحظات التخلي، لكن الفرصة السانحة خصبة ويمكن استثمارها لبلورة اطار شيعي جديد.