#adsense

عن بشير!

حجم الخط

لم اعرف بشير الجميل عن كثب الا بعد موته، أما في حياته فكنت لم ازل يافعاً، اتابع بإعجاب تطور قوته وخطابه والكاريسما الخاصة التي بناها لنفسه، مستعيناً بعدد من المتخصصين في علوم الاعلام والفلسفة والتاريخ والسياسية.

أعرف عن بشير انه لم يكن يفتخر بنفسه، بقدر ما كان يفتخر بما تلقنه من شارل مالك وسواه من مفكري لبنان الكبار، الذين عاشرهم وعاصرهم ولو سبقهم الى الموت، واعرف عن بشير انه كان منظِّماً ناجحاً يسعى الى استغلال كل طاقات المجتمع المدني لخدمة قضيته.

لكن الموت حمّال اوجه، فهو يحجب حق الاجابة عن صاحب الحق ومالك الجواب، ليردّ على كل تساؤلات العصر التي تطاوله الى اليوم.. على كل الاحوال، لو لم يكن بشير من هذا "الفخذ"، لما كان محور جدل الى اليوم.

علامات استفهام اساسية طُرحت حول الرسالة والدور والقضية التي حملها بشير ورفاقه، وهل حملها لنفسه ولغاية محض خاصة، ام حملها عن قناعة جعلته حقيقة، وبعد الموت حلماً لكثيرين؟

انطلق بشير الجميل، من مقررات مجمع سيدة البير، الذي ضمّ اقحاح المفكرين المسيحيين وسياسييهم، ليرتكزوا على عِبَر التاريخ المبني في الاساس على الخوف من الالغاء. فكانت "التعددية" مفهوماً بل اقنوماً ارتكزت عليه هذه المقررات، لتحدد القناعة الثابتة في احترام الآخر، أيّ آخر، ومن منطلق مسيحاني بحت، وبالاخص هذا الآخر المختلف، ولو في اي شيء كان مختلفاً؛ في العقيدة او في الدين او في البعد الحضاري او حتى في العادات وانماط الحياة.

كان بشير مقتنعاً بكل هذا، ليتحوّل من معرَّضٍ دائمٍ للالغاء، الى رافض بالمطلق لاي الغاء، وليستحيل من معاند يحمي مكتسبات طائفة في زمن الانقضاض عليها، الى معاند ضد كل المكتسبات على حساب التعددية ولصالحها، شرط "عدم التساوي في الفقر"، على غرار الشيوعية السوفياتية، انما التساوي في الحقوق عبر انشاء المتحد اللبناني الذي يحمي كرامة الانسان الى اي جماعة او مجتمع انتمى.

هذا الاتحاد اللبناني بكل مكوناته، والذي يحفظ كرامتها ويضمن توزيع ثرواتها على كل ابنائها، ويحصّن نموّها الثقافي كما هي، لا كما يهيأ لها او يزوّر عليها، فيخرجها جميعها من استعباد الخوف، الذي يستبعد ويكوّن الناتج الواقعي للتقوقع، والناتج عنه كذلك!

عن بشير الذي قاتل مع رفاقه كما قاتله اخصامه، الذي شهد على مجزرة الدامور والعيشية والقاع وكل الزمن الاسود… انها الحرب، وفي الحرب كما في الحرب يقول الفرنسيون، لكن الكنيسة، رجالاً ونساءً ومعابد، كانت الى جانب بشير في معركة حماية الارض والكتاب والمدرسة على السواء، وفي معركة اثبات الحق في الوجود، حتى تتمكن من الوجود مع الآخر. (pour coexister, il faut d'abord exister)

لكن الرجل الذي شاهد وشارك في هذه الحرب، أو في جزء التفوق المسيحي منها على الاقل، يتحوّل اليوم الى هاجس ماكينة دعائية خطيرة وسوداء، بعض اركانها مسيحيون ممن خذلهم بشير يوماً، او فشلوا في استدراجه الى حيث هم غارقون في العمالة والارتهان. تحاول هذه الماكينة تحويل التاريخ المسيحي الى مهزلة وهو الاكثر جدية، وتحوير ابطاله الى قتلة وهم مقاتلون اشداء.

عن بشير الذي وقف يوماً على تقاطع الموت الاحمر بين اسرائيل والفلسطينيين وسوريا، لكنّ الاقل قوة يُذبح عادةً، على موائد الاكثر قوة.

حاول بشير ان يزيح لبنان عن خط المؤامرة والزالزال، فصعقه الزلزال، وازاحته المؤامرة، وصُعق معه ياسر عرفات، لتخرج قيادته من بيروت على يد اسرائيل، وتتخرّج فصائله قطعاً مشتتة متقاتلة من طرابلس، على يد سوريا.

قد يكون من الحق ان نفتح صفحات الحرب في بعض الاحيان، شرط ان نفتحها عادلة وغير ممزقة، حتى لا يصبح المقاتل مجرماً وسفاحاً ومعدوم القضية، ويلتبس على قارىء او كاتب او متابع هذا الفرق بين القامع والمقموع، وبين القاتل والمقتول.

عن بشير الجميّل واشواك الموت بين جماعات لبنان التي اسمها طوائف، اتذكر قولاً للفيلسوف الالماني شوبنهاور يصف فيه مجموعةً من القنافذ في يوم جليدي تحاول الاقتراب بعضها من البعض الآخر، لمنع البرد عنها، وكلما اقتربت كلما ادمتها اشواكها، وتكرر هذه المحاولات الى ان تجد المسافة المناسبة التي تقيها من البرد، وتبعد عنها… خطر اشواكها!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل