عندما سُمّي حسان دياب لوزارة التربية والتعليم العالي، توقّع الكثيرون أن يكون من الوزراء "الجيدين" في العمل العام، نتيجة سمعته "الطيبة" وخبرته الاكاديمية في السنوات التي قضاها في الجامعة الأميركية في بيروت.
وزير التربية السابق حسن منيمنة، الذي قضى ما يقارب السنتين في الوزارة، كان قد أنجز الكثير من المشاريع. منها ما نُفّذ ومنها ما لم يُنفّذ في انتظار موافقة مجلس الوزراء، الذي كان في تلك الأيام مغيباً، عوّل كثيراً على دياب، وفي التسليم والتسلّم لمس منيمنة على حد قوله "إيجابية" من دياب واستعداده لإكمال ما بدأه الوزير السابق.
هذا الإنطباع أيضاً، كان لدى موظفي الوزارة. ما هي إلا أيام حتى تغيّر الوضع. خرج دياب من عباءة الجامعة الأميركية لكنّه لم يستطع ولو لحظة، ارتداء عباءة العمل العام، في وزارة هي الأكبر والأهم. ها هو الرئيس نجيب ميقاتي يختار "تكنوقراط" لإدارة ما له علاقة بمستقبل لبنان التربوي. وإذ بهذا الخيار لا يعدو كونه إعادة مملّة لخيارات فاشلة أقدم عليها ميقاتي.
يبدأ الوزير نهاره "الطويل"، من الساعة الثامنة صباحاً كما تعود. يطرأ عليه زيارة معيّنة يبدأ حديثه الدائم أن هذه الوزارة هي من أكبر الوزارات سابقاً كانت ثلاثة وزارات، وفيها الكثير من الشغور.
أحياناً، يتصل الصحافيون لإجراء مقابلة أو إجراء حوار "عالسريع" معه. يرتبك. يقرّر، تلافياً لعدم الارتباك تحويل كل المكالمات التي ترده إلى موظف في مكتبه، المهمة الأساس الموكلة إليه، الرد على الصحافيين بعبارة واحدة: الوزير في اجتماع ولا يستطيع الحديث. قد يكون هذا الاجتماع، بين الوزير وشاشة الحاسوب، للبحث عن أمور شخصية أو تصفح بريد الجامعة الاميركية لشعوره بالحنين والاكتئاب في آن واحد إذ لا يكفّ عن التعبير عن حسرته على خسارته منصبه لقاء خدمة وطنه، بحسب ما ينقل عنه مقربون ومن يجتمع إليهم.
عندما يُسأل دياب عن سبب عدم ظهوره على الإعلام يقول: سأطل في أيلول حاملاً أخباراً دسمة. لكن ما هي هذه الاخبار، طالما أنّ جلّ ما تقوم به الوزارة لا يتعدى تسيير أمور الموظفين وتمرير البريد، وما إلى هنالك من أعمال روتينية، فيما تقف المشاريع التي وعد الوزير بإكمالها، في انتظار أن يمنّ المستشار على التربويين بالقليل من وقت يعوّض غياب دياب.
يقول الوزير إنه يدرس المشاريع التي أقرها منيمنة، والتي يجب أن تُنفذ، وفي الوقت نفسه يرفض أن يُقر بزيادة الدرجات على رواتب أساتذة التعليم الابتدائي، إسوة بالزيادة التي حصل عليها أساتذة التعليم الثانوي في عهد الحكومة السابقة. الأمر نفسه ينطبق على سلسلة الرتب والرواتب لأساتذة الجامعة اللبنانية، بيد أن ضغوطات "حزبية" جعلت "التوقيع على المشروعين" يأتي "معجلاً مكرراً".
دائماً هناك عذر معيّن يُقدمه المستشار، لا الوزير. وللمهتمين والمتابعين لواقع التربية أن يسألوا رئيس رابطة التعليم الثانوي والنقابي حنا غريب رأيه في ما يحصل في أروقة الوزارة، وهو الذي يقول دائماً بحرصه على مصلحة الأساتذة، فهل يا ترى مصلحة الأساتذة اليوم لا يجب أن تكون أولوية على مصلحة "عدم المسّ بالحكومة الميقاتية ولو نقابياً"؟
يقول متابعون للملف التربوي أن "الإنجاز الوحيد للوزير إلى الان هو تعيين أحمد دياب في مديرية التعليم المهني والتقني"، ويضيف هؤلاء أن "الإنجاز ليته لم يكن، فمن أُتي به إلى التعليم المهني أمضى سنوات فيها لم يُقدم أي جديد، بل تحوّل معه هذا القطاع التربوي الحيوي والضروري إلى وسيلة للطلاب الراسبين للهروب من التعليم الأساسي والثانوي، لا أكثر ولا أقل".
إلى الآن، لا يبدو الوزير قد استوعب فكرة الخروج من الجامعة الأميركية في بيروت، ولا يبدو أنّه عازم على تقديم الجديد في مهمّته الجديدة، والأرجح أنّه متأكد من أنّ هذه الحكومة لن تعيش طويلاً، فلماذا التعب وتقديم الجهد في خدمة اللبنانيين؟
صورة غائبة لوزير غائب عن وزارته وعن الامور التربوية، إن إستطاع أن يفعل شيئاً وهذا مشكك فيه، إن لناحية إستيعابه للامور التربوية أو لناحية السير بمشاريع القوانين التي أرسلها منيمنة الى مجلس الوزراء او الى مجلس الخدمة المدنية وأعيدت لتوقيع الوزير الجديد، أو بالأحرى على أمل التوقيع.
أكثر من ذلك، وزير التربية الجديد الذي نعرف إسمه ولا نعرف صورته الا عند عرض بعض لقطات لجلسات مجلس الوزراء لا يعرف بعد مضي نحو ثلاثة أشهر من تسلّمه مهامه، أسماء بعض المسؤولين في الوزارة أو عدد المناطق التربوية واسماء رؤسائها الذين يُشكلون أذرع الوزارة في المحافظات اللبنانية كافة.
والجديد أن من بين كل موظفي الوزارة، لا يوجد شخص مؤهل لمقابلة تلفزيونية، فنرى إضافة الى كافة الملفات القانونية والادارية والتربوية والعادية وغير العادية والمناقلات، أن المستشار "القانوني" يطل على شاشة إحدى المحطات ليتحدث عن الوزارة وعن الاقساط وغيرها من المواضيع، ليقول ان الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة التربية لم يكن لديهم خطة تربوية بل كانوا سياسيين والوزير الحالي لديه خطة، فعن أية خطة يتحدث، هل هي copy paste لخطط سلفه مع إضافة ما طاب له من تجميل لا "يُفسد للحقيقة قضية"؟
والمضحك المبكي أو بالأحرى المخجل، ان حكومة "كلنا للعمل"، تعمل بيد واحدة مع الزوجات، فها هو الوزير التكنوقراط الذي يريد خدمة وطنه، يتأبط ذراع زوجته بصفتها مستشارة تربوية وتحت اسم نوار مولوي وليس نوار دياب لكي لا يعرف أحد أو يكتشف السر! ويسافران الى الدانمارك لحضور ندوة تربوية على حساب وزارة الخارجية والمغتربين وطبعاً بعد موافقة مجلس الوزراء، ثم يتحدثون ويرمون تهم الفساد يميناً ويساراً، فإن كانت زوجة "معالي الوزير" مستشارة تربوية فاين عقدها مع الوزارة أو إنها مستشارة خاصة كونها تعمل ايضاً في جامعة خاصة؟
وزير التكنوقراط، لا يزال البعض يرى فيه قدرة على القيام بجديد في القطاع التربوي، كما لا يزال الكثير من التربويين يراهنون عليه وعلى تجربته الأكاديمية، إلا أن كل هذه الرهانات تبقى إلى اليوم مُجرد أماني مبعثرة في انتظار جمعها، وهذا ما لا يبدو "لحظة حقيقة" في كتاب "رجل" اختاره، رجل التكنوقراط الأبيض بـ"قميص أسود"، نجيب ميقاتي!