يمتد الوجود المسيحي الماروني على هذه الأرض من منطقة الشرق الأوسط أكثر من 1500 عام، إلا أنّ نائباً كالحاج محمد رعد لا يرى أبعد من أنف «صواريخ حزبه وسلاحه» قرّر أن البطريرك الـ 77 للموارنة: «يبدو وكان قراءة جديدة للوجود المسيحي في لبنان ولمصلحة اللبنانيين قد بدأ البطريرك بترجمتها عملياً»، علينا أن نقرأ صدى كلمات غبطة البطريرك والتي انزعج منها لبنانيون كثر مسلمون ومسيحيون لأنها جاءت لتلبّس قضايا محسومة بالنسبة للبنانيين وحفظ الله الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير فقد أتعب من سيأتي بعده فمواقفه حازمة ومختصرة وإجاباته حكيمة لا تطويل فيها يتيح لأيّ عابث الولوج إليها لتأويلها، قد يكون هذا أحد الفوارق بينه وبين البطريرك الـ 77، فهو قريب من الإعلام له تصريحات كثيرة جداً خصوصاً في العامين 1989 و1990 لكثرة ما أطل من شباك الصرح البطريركي ليسكت على «غوغاء» جماعة ميشال عون وفظائعهم بحقّ الصرح وسيّده في ذاك الوقت.
عندما يصرح النائب محمد رعد قائلاً: «عندما نبحث عن الشراكة سنجد التسوية المقبولة التي ترضي الجميع»، لا يتحدّث عن وطن المواطنة فيه متساوية، ولا يتحدّث عن وطن تحكمه الدولة والقانون، بل يتحدّث عن «عيش بالتراضي أو المساكنة بحكم الأمر الواقع»، نريد وطناً ودولة لا تسويات تتغير معادلاتها بتغيّر الظروف واستراتيجيات حزب الله وتكتيكاته القريبة والبعيدة!! ومنطق النائب محمد رعد يتنافى كلياً مع كلام غبطة البطريرك بشارة الراعي: «إن جمال لبنان يوم يبنى فعلا هذا الوطن الذي هو للجميع، ولا فضل للبناني على آخر الا بقدر ما يعطي هذا الوطن. اننا في لبنان مسيحيين ومسلمين ندعو الى رسالة كبيرة يؤديها لبنان الى العالم. لا للحرب، لا للعنف، الله يريدنا عائلة واحدة له، فلنتجاوز كل الخلافات والنزاعات والارتباطات شمالا ويمينا»، ولا ينتقص من قدر بطريرك لبنان وإنطاكية وسائر المشرق أن يقول: «سأكون الصدى للإمام المغيب السيد موسى الصدر المسلم المتكلم باتفاق المسلمين والمسيحيين، وبهذا الاتفاق بني لبنان»، فالسيد غُيّب في توقيت تاريخي وقبيل أن تجتاح ولاية الفقيه لبنان وتأخذ شيعته بعيداً عن الدولة اللبنانية، من يراجع مواقف وكتابات وخطابات الإمام موسى الصدر يدرك أنّ مشروعه هو الدولة اللبنانية، ويدرك أيضاً حجم ما ارتكبه بحقّه من خطايا الرئيس نبيه بري والتي رفض سلفه الرئيس السيد حسين الحسيني التورّط فيها فاستقال من قيادة الحركة!! ولا نوافق غبطته أبداً على تحيته لما أسماه «عصاميّة» نبيه بري التي ابتعلت مغارات مجالس كثيرة وأودية ذهب كثيرة، وعند كل مفترق تقبض حصتها من بقرة الدولة اللبنانية!!
في 28-1-2010 أطلّ «المطران بشارة الراعي» في لقاء متلفز ردّ فيه على «الدعوة النبيهيّة المفاجئة» إلى إلغاء الطائفية السياسية، هذه العصا التي يهزها نبيه بري للبطريرك منذ اتفاق الطائف كلّما رغبت سوريا بذلك، فقال: «بوجود المال والسلاح سيكون البديل عن إلغاء الطائفية السياسية الدولة الإسلامية»..
وفي 3 آذار 2009 قال المطران بشارة الراعي: «الدخول بسياسة المحاور تشطر البلد وأي فريق يعتبر قراره في الخارج فهو خطر على لبنان، ونحن ندعو لتحييده (…) لا نريد أن نكون تابعين لأحد»، لا نميل إلى الظنّ بأن شيئاً ما طرأ على مواقف البطريرك بشأن سياسة المحاور، ومبالغة حزب القوة والتهديد والصواريخ مطلوبة، على الأقل ليتذكر البعض تهليلهم «للثورات العربية» و»البوكس» الذي أكلوه بعد «الثورة السورية»، وقبلها «تهليلهم وتقديسهم» لوثائق ويكيليكس إلى حدّ جعلها منزلة، حتى أوقعهم الله في شرّ أعمالهم، ونفس الخطأ يرتكبونه اليوم مع كلام وتصريحات البطريرك بشارة الراعي، فلنتفرّج عليهم قليلاً، فثوابت البطريركية لا تتغير مهما اختلفت نبرة خطابات البطاركة، وهذه أولى إطلالات الراعي الراعوية، وقد تكبّدت صورته وحصافته في المواقف ضربة موجعة، كتلك التي استعجل في التصدي لها أيام الصراع أو الخلاف الماروني الأرثوذكسي على عطلة عيد الفصح بين الجمعة أو الاثنين فهب المطران الراعي لاتهام رئيس الحكومة بأسلمة البلد…
في زمن الدولة المدنية التي يتمسك المسلمون في العيش في كنفها أكثر من المسيحيين لا بدّ لنا من القول لصاحب الغبطة: «لوهلة أوحت بعض تصريحاتك بأنك تضع المسيحيين أهل ذمة في عنق فريق السلاح القوي لا شركاء في الوطن ولا مادة وأصل النسيج الحقيقي فيه»، ونحن على ثقة أن بعض مواقفك المتخوفة يشاركك فيها الكثير من المسلمين حول المشهد المقبل على المنطقة فحتى الآن ليس إلا مجالس إنتقالية وتسابق إخواني سلفي وأحزاب ضعيفة، نحن أيضاً نخشى هذا الواقع، ولكن لا نتفق معك في تأييد أنظمة مجرمة قاتلة ومباركة بقائها، تقتضي حكمتك يا صاحب الغبطة أنك مدرك قبل سواك أن حتى «الشيعة» ليسوا إلا أقلية في محيطهم العربي الواسع، وسياسات الأقليات لم تفضِ يوماً إلا إلى ألحاق الأذى بأصحابها، ويجب أن لا يقل خوفك من الشرق الأوسط «الإسلامي» الإيراني، حدة عن تخوفك من محور الشرق الأوسط الجديد، ألم تتناه إليك أخبار الأقليات والقوميات «المدعوسة» في إيران؟!