
منذ اندلاع حرب روسيا على أوكرانيا تبادَرَ إلى ذهني السؤال الآتي: لماذا لم نَحْظَ كمقاومة لبنانية في سنوات الاحتلال السوري برُبعِ أو بربعِ ربعِ الدعم الغربي لقضيتنا؟ فسوريا النظام وروسيا بوتين وجهان لعملة واحدة في لبنان وأوكرانيا. لقد هالني أن مخزونات في الجيش الأميركي تكاد تنفد بعدما أصبحت في تصرف المقاومة الأوكرانية! كل الإعلام الغربي عموماً يكاد يَدمَعُ، وكل المنظمات الإنسانية والاجتماعية همها أوكراني.
أعرف الفرق الاستراتيجي بين بلد صغير كلبنان وبلد أوروبي كبير كأوكرانيا. ولكن لماذا لم نحظَ على قَدْرِ حجمنا بصواريخ ودعم سياسي؟ لماذا لم يندفع العالم الغربي في سياسة تأهُّبٍ وعقوبات لمصلحتنا، ولو بنسبة 2 أو 3 في المئة فقط مما حصلت عليه أوكرانيا؟ فالظلمُ ظلمٌ إن لَحِقَ بأربعين مليوناً أو أربعين ألفاً. قد يقول قائل: في أوكرانيا الخطر داهم على أبواب أوروبا، أما لبنان فبعيدٌ.
جميع المؤشرات والوثائق تُشيرُ إلى وعيٍ وتقديرٍ غربيين لمخاطر ما حصل في لبنان منذ 1975 على دوله، على الأقل في ما يتصل بتصدير الإرهاب مثلاً. إذاً “ازدواجية المعايير” لها أسباب أخرى. ما هي؟ الأسباب كثيرة وأكتفي بسببين. يسيطر الفكر الواقعي والمصالح الآنية على العقل السياسي الغربي. من الفاتيكان إلى واشنطن كان الشعار لأزمات لبنان “أطفئوا نار النزاعات ولو كانت المطافئ في يد أنظمة استبدادية”. وليس المهم من الظالم ومن المظلوم. فيلمون وهبه أجاد في الوصف: “حجا قال هالموّال… خربت… عمرت… حادت عن ضهري… بسيطة”! قضايا الشعوب سلكت ببطء إلى دوائر القرار. العدالة وحقوق الإنسان انتظرت إلى نهايات القرن العشرين لتتسلل إلى اهتمامات الحكام، وحتى اليوم هي مُعْطىً بين مجموعة معطيات وليست لها مكانة إلا في الحملات الانتخابية وسرعان ما يتراجع هذا المعطى إلى الخلف. السبب الثاني هو “بسببنا”! راهن المسيحيون بغالبيتهم منذ 1943، أقله، على “لبننة” المسلمين. لو كنت مُسلماً لطرحتُ السؤال الآتي: أنا تَخليتُ عن الانضمام إلى سوريا أو أي نظام عربي، فلماذا لا يحقُّ لي في السلطة ما يَحقُّ للمسيحي؟ خطأُ المسيحيين القاتل كان: تعالوا يا مسلمين إلى “لبناننا”.
خطأُهم كان الوهم بأن صيغة 1943 نهاية المطاف. لا بل منهم من جنح خيالُهُ واعتبر أن المسلمين سيصبحون بمرور الوقت “مسيحيين سياسياً” في ظل تلك الصيغة! وتجاهل العاقلون منهم عن عمد السلوك الواضح للمسلمين باعتبار صيغة 1943 مرحلة من السهل بعد سنوات قليلة نسفها وتحطيمها. اهتم المسيحيون بحاضر ملتبس، وطالبوا المسلمين أن يراعوا عقدة “الخوف” عندهم! وخطأ المسلمين القاتل كان أنهم تصرفوا على أساس معادلة خطيرة مفادها: أو نَقلبُ لبنان من الداخل أو سندع كل الاحتلالات العربية تمزق هذه الصيغة ثم نفرض نحن لبنان جديداً.
نفرض “لبناننا”. لبنان عند المسلمين قبل الحرب لم يكن “قيمة وحقيقة بذاتيْهما”، لقد وقفوا مع أنظمة رجعية واستبدادية على حساب “دولة لبنانية” كانت رغم شوائبها أكثر إنسانية وديمقراطية ونهضوية من الناصريين والبعثيين والقذافيين والفصائل الفلسطينية المسلحة…الخ. وعندما يرى الغربُ المسيحيين والمسلمين على هذه الصورة هل يحق لنا أن نَلومَهُ؟ أوكرانيا دولة ديمقراطية نسبياً. فاسدة نسبياً. تعقيداتها الطائفية نسبية جداً مقارنة بلبنان. رئيسها يهودي ولا تجد الأكثرية المسيحية أي غضاضة في ذلك. معارضو زيلينسكي وقفوا وراءه وحملوا السلاح في كل مكان. باختصار عندنا المشكلة طائفية أولاً، والمسيحيون قبل المسلمين يطرحون كل الحلول التي لا “تحل هذه المشكلة”.
في كتاب مذكرات الرئيس الأسبق شارل حلو وردت هذه الحقيقة التاريخية: “خلال إحدى زياراتي إلى ميشال شيحا، وبرفقتي بيار الجميل، الذي كان قد باشر إنشاء حزب الكتائب اللبنانية، هَبَطَتْ عليه (أي ميشال شيحا) هذه العبارة الآسرة، لِيَصِفَ بها علاقاتِنا مع عدد من مواطنينا من الطوائف المختلفة:” علينا أن نَعيشَ وإياهم دوماً، بموجبِ سوءِ تفاهُمٍ مُرتَضى”!! هكذا في السر كان يفكر ميشال شيحا فيلسوف صيغة 1943 المشؤومة!