.jpg)
شكّلت العلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة سمة تاريخية تميزت بالرسوخ، ولطالما كانت مبنية على استراتيجية مفادها الأمن مقابل النفط. بدأت هذه العلاقة العام 1933 عندما دخلت شركة “ستاندرد أويل كاليفورنيا” إلى السعودية للتنقيب عن النفط. شهدت توتراً في بعض الأحيان واختلافاً في وجهات النظر، لكن سرعان ما كان الخلاف يتبدد لتعود العلاقة إلى ما كانت عليه.
من الأزمات التي حصلت بين الدولتين، على سبيل المثال لا الحصر، أزمة العام 1973 عندما قررت السعودية أن تساند الدول العربية في حربها ضد إسرائيل وتقرر خفض إنتاج البترول 5% بسبب دعم الولايات المتحدة لها، ما أدى إلى أزمة كبيرة داخل أميركا وارتفاع أسعار البترول أربعة أضعاف، بالإضافة إلى التبعات السلبية المباشرة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
قرار أوبك+، اليوم، يعيد الذاكرة إلى هذه الأزمة بين الدولتين مع اختلاف الظروف والأهداف. فهل القرار سياسي أم اقتصادي محض؟ وهل العلاقة بين البلدين على شفير الانهيار؟
من جهتها، حدَدت المملكة موقفها بردٍّ رسمي من وزارة الخارجية السعودية على التصاريح الأميركية، بأن قرار أوبك+ صدر بالإجماع من الدول النفطية كلها، وهو قرار اقتصادي محض ناتج عن عملية العرض والطلب في الأسواق، وليس سياسياً، وأن المملكة حريصة جداً على العلاقة مع الولايات المتحدة، وليست بوارد الدخول في اصطفافات دولية، وأن موقفها واضح من الأزمة الروسية ـ الأوكرانية.
وأتى تصويت المملكة في مجلس الأمن ضد روسيا على خلفية الاستفتاء الروسي لضمّ مناطق أوكرانية، وذلك نابع من الالتزام بمبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول، والمملكة حريصة على مساعدة أوكرانيا إنسانياً، إذ قدّمت في الآونة الأخيرة 400 مليون دولار لتخفيف معاناة الشعب الأوكراني، وفق وزارة الخارجية السعودية.
على الضفة الأميركية، تعتبر معظم التصريحات الصادرة قرار أوبك+ الذي ترأسه السعودية، مسيّساً، وموجّهاً ضد الرئيس جو بايدن، إذ أتى القرار قبل شهر فقط من موعد إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، وخسارة هذه الغالبية تؤدي إلى إضعاف الرئيس الأميركي سياسياً، إذ تتحول الفترة الرئاسية إلى ما يسمى بـ”البطة العرجاء”.
ورأى وزير الخارجية الأميركية أنطوني بلينكين أن خفض الإنتاج سيحافظ على أسعار مرتفعة، ويساهم بعائدات كبيرة للخزينة الروسية، وهذا القرار يساند روسيا في حربها ضد أوكرانيا.
والسؤال اليوم، ماذا لو قررت الولايات المتحدة وقف بيع الأسلحة للسعودية؟ بعض الأفكار المطروحة في الكونغرس الاميركي يكمن في نشر أسطول الطائرات الأميركية ف 16 خارج السعودية، ووقف المساعدات العسكرية، وحتى سحب صواريخ الباتريوت. طبعاً، السعودية لديها خيارات واسعة، كما قال الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، منذ أيام، إن روسيا والصين جاهزتان لتلبية احتياجات السعودية العسكرية وغير العسكرية إن أقدمت الولايات المتحدة على تنفيذ هذه الخيارات، على الرغم من أن الأمور التقنية سترتّب على السعودية جهداً كبيراً لدمج أنظمة الأسلحة الشرقية مع ترسانتها الغربية.
مما لا شك فيه أن العلاقة الأميركية ـ السعودية خلقت نوعاً من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والكل يعلم أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يعتمد سياسة واضحة بأن مصلحة المملكة فوق كل اعتبار، وبأن لا أحد يملي على السعودية أي قرار.
وعلى الرغم من كل ذلك، لا يبدو أن العلاقة سائرة إلى القطيعة التامة أو إلى تغيير في التحالفات، فما بين الدولتين أعمق من قرار أوبك+ أو من سياسة بايدن الحالية تجاه السعودية التي لا يوافق بن سلمان عليها، إذ سرعان ما غيّرت الإدارة الأميركية في موقفها، من عدم اهتمامها للاتفاق النووي، ودعمها المتظاهرين في إيران. أما السعودية، الداعية دائماً إلى حل الأمور بالطرق السلمية، لا تريد التوتر، لا مع الولايات المتحدة ولا مع غيرها؛ وفي الوقت نفسه، يدرك أمير السعودية مكامن قوته، ويعمل لفرض مكانة جيدة لبلده بطريقة سلمية ذكية دبلوماسية.
