
اختار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مساء الأحد الماضي لإلقاء قنبلته الضوئية التي أحدثت هبوطاً ملحوظاً، ولو لم يكن مفاجئاً لدى البعض، في سعر صرف الدولار الأميركي في السوق الموازية، فأحدثت هلعاً لدى المواطنين، وضربة موجِعة للصرافين، وبلبلة في السوق، وذلك قبل نحو أسبوع على انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون.
هذه القنبلة تمثّلت في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي، يُبلغ فيه أن “مصرف لبنان سيقوم من خلال منصّة SAYRAFA “صيرفة” ببيع الدولار الأميركي حصراً ابتداءً من يوم الثلاثاء المقبل علماً أنه لن يكون شارياً للدولار عبر منصّة “صيرفة” من حينه وإلى إشعار آخر.
وكما نصّ عليه التعميم 161 يستمر دفع معاشات القطاع العام بالدولار الأميركي، ومن ناحية أخرى تستمر سحوبات الـ400$ لأصحاب الحسابات المصرفية كما يستمر العمل بالتعميم 151 والتعميم 158 على أن يتم أيضاً الدفع بالدولار الأميركي”.
واليوم يبدأ مصرف لبنان بتنفيذ نَصّ البيان، على وقع التساؤلات حول مدى صمود البنك المركزي في عرض الدولار الأميركي من دون شرائه، وبالتالي إلى متى سيستمر سعر صرف الدولار الأميركي في الانخفاض؟
الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان يقول لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إذا أردنا تفنيد البيان نجد أن مصرف لبنان يُقرّ بوضوح أنه كان يشتري الدولار أي أنه ساهم في ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية. أما اليوم فقرّر وقف شراء الدولار على أن يستمر في بيعه على “منصّة صيرفة”، فمجرّد أنه لن يشتري الدولار فذلك يؤدّي بالطبع إلى التخفيف من وتيرة ارتفاع سعر الصرف.
ويعتبر أن “التحدّي الكبير يكمن في مدى قدرته على الصمود في ظل شحّ المداخيل بالعملة الصعبة، ويبقى قادراً على بيع الدولار. فقد شهدنا مثل هذه الإجراءات مراراً وتكراراً وتحديداً بُعَيد تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، إذ تدخّل مصرف لبنان وخفّض سعر صرف الدولار إلى 15 ألف ليرة، ثم عاد وحلّق إلى مستويات قياسية غير مشهودة لامست 38 ألف ليرة. ثم طُلِب منه قبل استحقاق الانتخابات النيابية التدخّل في السوق للجم ارتفاع سعر الصرف، ففعل وأصدر التعميم 161 ما أدّى إلى انخفاض سعر صرف الدولار إلى 20 ألف ليرة لكن سرعان ما عاد ولامس الـ41 ألفاً”.
إذاً، يتابع أبو سليمان، “المسار لا يزال تصاعدياً… وفي حال لم نقم بالإصلاحات المرجوّة ولم ننفّذ خطة ماكرو-اقتصادية ولم نُبرِم اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي، فمن الصعب جداً مواصلة هبوط سعر صرف الدولار الأميركي”، عازياً ذلك بالقول، اليوم، وبالإضافة إلى قاعدة العرض والطلب على أهميّتها، هناك عامل الثقة الذي يلعب دوره بامتياز، إذ في حال تم تخيير المواطن بين إعطائه مبلغاً بالليرة أم بالدولار فسيختار الثاني بالتأكيد… عملياً كل تلك الإجراءات آنية ومرحلية وبمعنى آخر “ترقيعيّة ومخدِّرة”.
وفي معرض قراءته لحيثيات خفض سعر صرف الدولار المتسارع بدءاً من مساء الأحد، يُلفت إلى “العامل السياسي” كما سبق وأعطى مثالين على ذلك آنفاً. “لكن الدولارات المهدورة كلها هي من أموال المودِعين وتخلق تشوّهات بالاقتصاد يدفع ثمنها المجتمع” على حدّ قوله.
ويسأل “ما هي وظيفة المصارف المركزية اليوم؟ مسؤوليّتها إدارة السياسة النقدية، المحافظة على السياسة المالية، تحفيز النمو الاقتصادي، والسيطرة على التضخّم. فبمجرّد أنه اشترى دولارات من السوق فارتفعت الأسعار ويكون ساهم في ارتفاع معدّل التضخّم. وبالتأكيد عند تآكل القدرة الشرائية وتقويض العجلة الاقتصادية يغيب النمو الاقتصادي… وهنا يكون انتفى الغرض الذي هو – أي مصرف لبنان – مؤتمن عليه والمسؤولية التي تقع على عاتقه، وبالتالي أصبح في مكان آخر وباتت الحلول ترقيعيّة بامتياز.
وعن سبب صدور البيان عن مصرف لبنان الأحد وهو يوم عطلة بامتياز كما أنه يسبق نهاية عهد الرئيس عون بأيام، فيعزو الأمر إلى “خلق حالٍ من الهلع في تراجع سعر الصرف 5 آلاف ليرة دفعة واحدة، لكن فعلياً لا أحد يستطيع شراء الدولار يوم الأحد لغياب العرض، وكل ما في الأمر أن عدداً كبيراً من المواطنين المساكين سارع الإثنين إلى بيع دولاراته، ونكون بذلك سحبنا منه الدولارات التي كانت في حوزته”.
وحول نيّة مصرف لبنان إيصال سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى السعر المعتمَد على منصّة “صيرفة”، يذكّر أبو سليمان بأنه “سبق وفعل ذلك في موعد الانتخابات النيابية، لكنه لم يتمكّن من الصمود… فالسعر الفعلي اليوم هو السوق الموازية، إذ أن كل عمليات البيع والشراء في سوق الاستهلاك تستند إلى سعر صرف السوق الموازية وليس دولار صيرفة. ولا مجال البتّة لمقاومة دفع السوق وقوّتها”.
وعما إذا كان يتوقّع ارتفاع أو انخفاض سعر صرف الدولار عند انتهاء ولاية عون، يقول، إن انعدام الاستقرار عنصر سلبي لأي عملة وطنية، فالفراغ الرئاسي والحكومي الذي سيخلف عهد عون سيخلق لا استقرار سياسياً، الأمر الذي لن يؤدّي بالطبع إلى تحسّن سعر صرف الليرة بل إلى تدهوره، إلا إذا ارتأى فريق رئيس الجمهورية التدخّل ووضع نحو 300 و400 مليون دولار في السوق! لكنه سيبقى عاملاً مرحلياً وآنياً، إذ سينخفض سعر الصرف مرحلياً ثم سرعان ما يلبث أن يرتفع مجدداً، لأن مسار البلاد لا يزال صعباً.