جعجع يخرج من سجنه للمرة الأولى
وجنبلاط يتأمل في حركة البطريرك
لماذا راود كثيرين من عارفي رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع أنه في مهرجان الشهداء في جونية السبت الماضي خرج للمرة الأولى من السجن. قال أحدهم لـ "النهار"، وهو سياسي بارز: "هذا هو سمير جعجع الذي نعرفه. أعتقد أن الرجل الذي لم نكن نعرفه هو جعجع الذي بقي مقيماً في سجن داخل ذاته بعد 26 تموز 2005. كان مؤثراً في خطابه لأنه كان صادقاً صادماً وحاسماً في إعلان اقتناعاته، وحاملاً قضية سياسية ووطنية يدافع عنها بعدما دفع عنها وبسببها أغلى الأثمان".
إشارة أخرى غير سياسية: يجمع عدد ممن كانوا شديدي القرب من جعجع على أنه لم يبك يوماً في حياته- أقله في العلن – حتى عندما كان رفاقه وأصدقاؤه يتساقطون حوله لم يكن يبكي أو يبدي تأثره. هذه طبيعته أو ضريبة مسؤوليته يقولون. ماذا تفاعل في داخل الرجل الصلب عند وصول الكاردينال نصرالله صفير كي تغرورق عيناه بالدمع؟
"الكاردينال صفير؟ سيّد الكلمات". يقول السياسي.
في مكان آخر في الشوف، يوم مهرجان "القوات"، كان رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط خلال لقاء اجتماعي يسأل الحضور، وجلهم شخصيات سياسية ودينية مسيحية، عن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وحركته، ليخرج باستنتاج فحواه: "أنا سياسي، أستطيع أن أقول كلاماً، أعلن موقفاً وأتراجع عنه. أتحمل العواقب طبعاً. أما البطريرك فلا يستطيع، لأنه بطريرك".
الزعيم الدرزي لم يذكر شيئاً عما جرى قبل زيارة أولى لدير القمر ومحيطها قام بها الراعي في 7 آب الماضي. قيل للبطريرك ذلك الوقت إن المدخل إلى التفاعل مع دروز المنطقة هو المختارة، لكنه لسبب ما لم يتجاوب. لعلّ الخبر وصل إلى جنبلاط الذي لاحظ اختلاف أسلوب البطريرك الحالي عن سلف عقد معه "مصالحة الجبل"، فسافر فجأة إلى موسكو للسؤال عن رؤية الرفاق القدامى هناك إلى ما يجري في سوريا، ولم يوفد أحداً إلى لقاء الراعي، خلافاً لما فعل بالأمس عندما أوفد الوزير وائل إبو فاعور لاستقباله في خلوات البياضة. لكنه تنبه بالتأكيد إلى اختلاف في التعامل مع قيادات الطوائف. لا يزور الراعي المختارة، إلا أنه يتناول الغداء إلى مائدة رئيس مجلس النواب وحركة "أمل" نبيه بري، ومائدة رئيس مجلس شورى "حزب الله" الشيخ محمد يزبك.
في مجلس آخر، رجال بثياب الكهنوت، يحاولون ليس من دون مظاهر أسى تحليل ما حصل وأدى إلى ظهور الطائفة ببطريركين وتوجهين. يفصح أحدهم عن شبه اقتناع كان قد تكوّن بأن الزعماء الموارنة ليسوا بقدر المسؤوليات الملقاة عليهم. تغلب عليهم أنانياتهم، وأطباعهم، وروح الخصام والإنتقام، ومصالح التحالفات التي أقاموها في هذا الميل وذاك الميل، لذلك كان لا بد من بروز قيادة جديدة تكون منزهة، تحديداً من الكنيسة المؤتمنة على "القضية المسيحية"، فترسم المسار العام والمبادئ وتترك للسياسيين الإهتمام بالتفاصيل اليومية. على هذا الأساس تركزت المساعي لتحقيق المصالحة بين هؤلاء السياسيين تحت مظلة بكركي، وبعد المصالحة انتقل سعي سيد بكركي إلى إبراز المواقف العامة من مواضيع الخلاف الشائكة على المستوى الوطني.
عند هذه النقطة وقعت قيادة الكنيسة- التي أحاطت نفسها بفريق استشاري سياسي وإعلامي من فئة معينة- في أخطاء سياسية رئيسية، تجلت في باريس ثم في بعلبك. بعد ذلك"انقض" فريق من المسيحيين (14 آذار) إعلامياً، ثم سياسياً عبر مهرجان "القوات" خصوصاً، على مواقف البطريرك فأربك تحركه، في حين كان مسؤول فاتيكاني يقول لمراجعيه اللبنانيين بفرنسية مشوبة باللكنة الإيطالية: "لا تهاجموه مباشرة عبر التلفزيونات. إذهبوا إليه وقولوا له ما تريدون".