#adsense

التطرّف الدينيّ وأنظمة الاستبداد: معاً في مواجهة الربيع العربيّ

حجم الخط

لأنّ التاريخ الحديث أعطى نماذج واضحة عن كيفية إرفاق معادلات التخويف والتخوين بإثباتات ميدانيّة بصماتها دمويّة، لا تستبعد مراجع مطّلعة أن يتمّ استهداف موقع دينيّ من هنا وهناك لتغذية نظريّة تحالف الأقلّيات وتعزيزها وإدخالها إلى وجدان الأقلّيات الخائفة من الأكثريّة "المفترسة".

والتاريخ الحديث لم ينسَ أنّ التفجير الذي استهدف بيت الكتائب في مطلع التسعينات كان يهدف لتبرير الانقضاض على سمير جعجع بعد أن عجز الحوار معه عن إعطاء النتائج المطلوبة، وكانت التوليفة جاهزة يومها وغير بعيدة عن إمكان إدخالها الى العقول المسطّحة. جعجع يريد إلغاء حزب الكتائب وابتلاعه بالانتخابات أو بالسيّارات المفخّخة، ولهذا فهو المسؤول عن استهداف البيت المركزيّ بالسيارة المفخّخة.

والتاريخ الحديث لا ينسى أيضا تفجير كنيسة سيّدة النجاة والعبوات الصغيرة المتنقلة التي استهدفت المناطق المسيحيّة طوال أسابيع بعد تفجير الكنيسة، والتي رافقتها موجة معمّمة من الإعلام المدروس ترويجا للنظريّة الأوّلية التي تحدّثت عن أنّ استهداف الكنيسة كان مؤامرة إسرائيليّة هدفت لتحويل الأنظار عن مجزرة الحرم الإبراهيمي، والنظرية التالية التي ألصِقت بالقوّات اللبنانية بتهمة تفجير الكنيسة وتهمة العمل لإنشاء دويلة مسيحيّة، وقد أدّت تلك الجرائم الأمنية والإعلاميّة يومها إلى بلبلة موثّقة جرفت معها جزءا كبيرا من الرأي العام المسيحيّ الذي صدّق أنّ القوّات يمكن ان تتورّط بتفجير الكنيسة نظرا الى أنّه سبق لها أن قامت بعمليّات أمنية خلال الحرب.

والتاريخ الحديث جدّا لم ينسَ أنّ السيناريو ذاته الذي استُعمل مع القوّات اللبنانية، طُبِّق مع الإسلام السُنّي، إذ تمّ وَسم هذا الإسلام بالإرهاب من خلال احتضان المجموعات التكفيريّة، خصوصا في مرحلة ما بعد الدخول الأميركي الى العراق، وأدّى هذا الاحتضان الى رعاية انتقال المقاتلين من مجدل عنجر وعكّار عبر الأراضي السوريّة رعاية آمنة أدّت الى دخول هؤلاء بالإضافة الى التكفيريّين القادمين من كلّ دول العالم الإسلامي الى العراق، حيث نفّذوا أكثر الجرائم ترويعا بحقّ السُنّة والشيعة، ومن ثمّ المسيحيّين، فيما كان رُعاتهم يرقصون فرحا لأنّ هذه العمليّات الإرهابية ساهمت بإشعال الأرض تحت أقدام الجيش الاميركي في العراق، الذي لم يتردّد إحدى المرات في اختراق الحدود السوريّة وتنفيذ عمليّة مجوقلة أدّت الى مقتل احد قادة التكفيريّين، بينما كان يدير آمنا العمليّات من مدينة البوكمال.

والتاريخ أيضا لم ينسَ كيف تمّ تصنيع فتح الإسلام وإرسالها عبر الحدود السائبة الى مخيّم نهر البارد بهدف اختراق الشمال وتحويله الى إمارة إسلاميّة من أغراضها إرهاب المسيحيّين والقضاء على الاعتدال السُنّي والاقتصاص من حقبة ما بعد زوال الوصاية وإفهام المجتمع الدوليّ الذي ساهم بزوالها، بأنّ لبنان من دون قبضة هذه الوصاية سيتحوّل الى إمارة قاعديّة تهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة. ولم تفشل هذه المحاولات إلّا لأنّ الإسلام المعتدل قال كلمته ودعم الجيش اللبناني مُسقطا الخطّ الأحمر الشهير الذي رسم حول المخيّم.

بناء على هذا الإرث العتيق من الاعتماد على معادلة التخويف من التكفيريّين والتحالف معهم وتسهيل مهامّهم في آن، يكرّر أصحاب السيناريوهات القديمة السيناريو المكشوف، ولهذا لم يكن مستغربا أن تعمّم الآلة الدعائيّة لأصحاب هذا السيناريو شعاراً كان من الواضح أنّه صنع في أقبية المخابرات، وهو شعار "العَلوي إلى التابوت والمسيحيّ إلى بيروت"، ذلك بعدما بدا أنّ الثورة السوريّة تحلّق بأعلى درجات الوعي، وبعدما التزم ناشطوها بالتحرّكات السلميّة واللاطائفية، ذلك على رغم استماتة النظام لإلصاق تهمة الطائفيّة بها لتشويه صورتها.

وبعد، هل تستطيع الأقلّيات الخائفة أن تلاحظ أنّ النظام العربيّ المتداعي والقاعدة باتا في مركب واحد، وأنّ مصالحها أصبحت متطابقة منذ أن هبّت رياح الحداثة على العالم الإسلامي، بفعل انطلاقة الربيع العربي الذي يهدّد ايديولوجيّات الاستبداد؟ وهل ستنتبه إلى أنّ محاولة إسباغ الصفة الطائفيّة على الثورات العربية يمكن أن يطوّرها مصنّعوها الى استهدافات تعزّز المخاوف وتقرّر التمسّك بهذه الأنظمة وتكريسها على أنّها الضامن بوجود الأقلّيات، والحامي من وحش التطرّف الذي ساهمت هي باحتضانه بالمال والسلاح والملاذات الآمنة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل