كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": أما وقد انتهت زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي للجنوب الى ما انتهت اليه، فمن الواجب اجراء خلاصة لهذه الجولة التاريخية بحق، والتي لم يسبقه اليها اي من البطاركة الموارنة السابقين والتي كان يفترض ان تتم منذ ستينات او خمسينات القرن الماضي، لا ان تنتظر 92 عاماً بعد اعلان قيام الدولة اللبنانية بشكلها الحالي.
خلفت الزيارة وراءها الكثير من الكلام، لكن الأهم انها اعادت الرابط المعنوي واصلحت ما أفسده الدهر بين مسيحيي جنوب الجنوب والمركز في بيروت وجبل لبنان. فلقد عاين البطريرك الراعي وصحبه ومعه الاعلام وتالياً الرأي العام، ان الانتشار المسيحي ليس حكراً على اقضية جبل لبنان والشمال بل يمتد الى أبعد من ذلك بكثير. واعادة الرابط المعنوي بين المسيحيين الجنوبيين والمركز في بيروت مسألة على جانب كبير من الأهمية لأنها تفتح الباب على جملة مطالب عاينها البطريرك عن قرب، ولا بد من ان ينكب مع فريقه على درس سبل معالجتها والتعامل معها سواء بواسطة مؤسسات الكنيسة ام الجمعيات والهيئات الرديفة والقريبة منها.
شاهد البطريرك في البلدات والقرى المسيحية جموعاً كثيرة، وعلم من مضيفيه ان نصف تلك الجموع واكثر لا تقيم في شكل دائم في الجنوب بل تحضر خلال أيام العطل والاعياد، لأنها لا تجد فرص عمل ولا وظائف لها في الجنوب ولا يمكنها تالياً ان تنتظر انتاج الزيتون والتبغ وبعض غلال الثمار لكي تعيش و"تربي الاولاد". وبهذا المعنى كان المشهد معبّراً جداً في بلدة الجرمق المنكوبة التي اصطفت أمامها باصات نقل الركاب التي حملت الأهالي من بيروت الى لقاء البطريرك في الكنيسة التي اعادت قطر تشييدها عقب عدوان تموز 2006. والجرمق التي لا يقيم من أهاليها فيها سوى عدد محدود لا يتجاوز بضع عشرات، مع ان البلدة تملك امكانات زراعية لا بأس بها، تحتاج الى من ينهض بها من كبوتها، وحالها في ذلك كحال العيشية المجاورة التي تعرضت للمجزرة الشهيرة، والتي تحولت مأوى للعجزة والمسنين دون ان يلتفت اليها اي من المسؤولين الكنسيين والعلمانيين ولو بكوب ماء. ونموذج العيشية يعمم على قرى وبلدات مارونية كثيرة (…). أما في حاصبيا، فقد سمع البطريرك أن غالبية الموارنة باعوا أملاكهم وأرزاقهم وغادروا بعدما سدّت في وجوههم سبل العيش الكريم واعالة العائلات منذ ستينات القرن الفائت.
التقى البطريرك في جولته الجنوبية رؤساء البلديات والمخاتير وأهالي من هربوا الى اسرائيل عقب التحرير عام 2000، واستمع الى شكواهم وظلامتهم، وسمع من مطران الارثوذكس الياس كفوري كلاماً مباشراً عن هذه القضية ورغبة في حل هذا الموضوع الانساني الشائك. لكن ما لم يسمعه ان قسماً من الذين نزحوا يتردد في العودة لأنهم لن يجدوا عملاً يعتاشون منه ويعيلون عائلاتهم، وان العودة الى لبنان ستؤدي بهم تدريجاً الى دروب الهجرة الى الدول الاسكندينافية وأميركا اللاتينية التي فيها جاليات مسيحية كبيرة من أنحاء الجنوب والتي غادرت قبل التحرير وعلى مرّ السنين.
وفي المحصلة،، تختصر هموم الجنوبيين بالهم الانمائي الذي من دون العناية به وتطويره لا يمكن الحديث عن الحد من بيع الاراضي ولا عن التصدي لمشكلة الهجرة ولا عن التغيير الديموغرافي ولا عن عودة من هاجر، ومن دون التنمية الحقيقية لا مستقبل لتلك الانحاء، وهذا ما أدركه البطريرك وسمعه وعاينه بأم العين.