#dfp #adsense

مؤامرة “القنبلة الفراغية” تصل الى مرحلتها القصوى باغتيال الحاج

حجم الخط

مؤامرة “القنبلة الفراغية” تصل الى مرحلتها القصوى باغتيال الحاج
بعد منع “ترئيس” سليمان وإسقاط مبادرة بكركي

كي تتقدس نجوم أحرقها القاتل المجهول ـ المعلوم 
فارس خشّان

 

لن ينطق قائد الجيش بكلمة واحدة تتعلق بالجهة التي يعتقد أنها هي التي أقدمت على اغتيال “قلب” جسد مؤسسته العسكرية العميد الشهيد فرانسوا الحاج.


ومن الصعب أن يُحدد وزير الدفاع الياس المر هذه الجهة التي أخذت منه “أحب العمداء الى… عقله” وأكثر الضباط الذين لا يكف عن إغداق المديح عليهم، مع أنه يعلم علم اليقين أن من حاول اغتياله هو في تموز 2005 إغتال “العسكري النموذجي”، وفق ما كان يسمّي فرانسوا الحاج دائماً.


ولن تُقدم أي جهة سياسية مسؤولة على ذلك، لأن الجميع أُغرق في “دوامة الاحتمالات”… ونحن لن نفعل.
ولكن، على الرغم من ذلك ماذا يعني اغتيال مدير العمليات في الجيش اللبناني؟ وفي أي سياق أتى؟ وهل هو مجرد خطوة “حذف” في مسار تعيين قائد الجيش الجديد، أم أنه أبعد من ذلك بكثير؟.


يُعتبر العميد الشهيد فرانسوا الحاج، بفعل موقعه وأدائه، أقرب الضباط الكبار الى وزير الدفاع الياس المر وقائد الجيش العماد ميشال سليمان، فهو العقل الذي يخطط للعمليات المطلوبة من الجيش وهو القوة التي توجّه الوحدات المقاتلة.
الحاج الآتي من بلدة رميش الجنوبية ـ إنتبهوا الى الجغرافيا “العقائدية” ـ لا صلات سياسية له، بل هو، وبفعل موقعه الوظيفي، يحصر نفسه في البعد العسكري الصافي، ولذلك أجاد في تنفيذ القرارات التي ترده من قائده، وجلها في المرحلة الأخيرة، كانت في غاية الحساسية، بحيث وضع الدقة التنفيذية في خدمة الدقة “الأمرية”، فمنع “حمام الدم” الذي كان يطلبه النظام الأمني اللبناني ـ السوري في 28 شباط كما في الرابع عشر من آذار من العام 2005، وحمى الانتخابات النيابية، وكان يملك من الفاعلية الميدانية ما مكنه، ليس من حسم معركة نهر البارد فحسب، بل من منع تداعياتها على الوحدات المقاتلة، ومن ثم وقف بقوة في وجه “الشر المستطير” بعدما كان قد تمكن من المساهمة في إعداد قوة الجيش اللبناني من الإنتشار السريع والمذهل في الجنوب.


وبهذا المعنى، فإن الحاج كان أحد الركائز المحورية التي وفرت ثقة اللبنانيين بالمؤسسة العسكرية وبقيادتها، وتالياً فإن اغتياله، هو بوجه أساسي من وجوهه، كناية عن توجيه ضربة قاسية الى الجيش اللبناني عموما والى قائده الناجح خصوصاً.


وهذا يفيد أن المؤسسة العسكرية التي هي حالياً العمود الفقري للبنان الواحد والمستقر، دخلت فعليا في دائرة الخطر، ومن خلالها إتضح ان لبنان “الموعود” بالتخريب والتكسير، انتقل الى أخطر وضعية على الإطلاق.
وهنا تحديداً، يمكن العودة الى نهر البارد.
نهر البارد لم يكن مأوى لعصابة إرهابية منقطعة الجذور عن محور سياسي إقليمي ومحلي، بل كان محطة لتعقيم المؤسسة العسكرية تمهيدا لفرطها، فمعادلة الخط الأحمر التي ارتسمت حول المخيم، كانت تعني أن سلامة الجيش من سلامة عصابة شاكر العبسي، على اعتبار ان سقوط الخط الاحمر عن المخيم ـ المأوى يستتبع إسقاطاً للخط الأحمر عن الجيش ـ الحسم.


وحين اتُخذ القرار بتجاوز الخط الأحمر الأول، كان على خلفية ان الجيش الذي يتلكأ عن قطع دابر مجموعة إرهابية اغتالت عشرات من جنوده وضباطه، إنما هو جيش يقود نفسه الى الإنهيارالمحتّم.
بكلام آخر، ان استهداف الجيش اللبناني بدأ رسمياً من محيط مخيم نهر البارد، وما حصل، صباح أمس في بعبدا، يجب إدراجه في سياق استهداف لبنان واستقلاله واستقراره، أي في سياق أوسع بكثير من السياق “البلدي”، أي صراع على مركز كمركز.


قيادة الجيش تفاجأت باغتيال فرانسوا الحاج، ولكنها كانت في صورة مؤامرة ما، يتم تحضيرها للمؤسسة العسكرية، ولهذا السبب بالذات تجاوز العماد سليمان في الأيام الأخيرة “صورة الرئيس المحتمل” ليركز بقوة على دوره الأهم، أي قيادة الجيش.


كان العماد سليمان في الصورة الدقيقة لما يحدث. هو الأكثر إدراكاً لإرادة منعه من الوصول الى رئاسة الجمهورية بصفته “مرشح الإنقاذ”، وهو الأكثر إطلاعاً على الوعود الكاذبة، وهو الأكثر تعمقاً بـ”لساني” العماد ميشال عون، ووحده القادر على وضع “سطر أحمر” تحت إسم كل ناطق بغير حقيقته.


تعمقه هذا تجلى في مناسبات عدة في الآونة الأخيرة، فما بدا أنه أهم من “أمر اليوم” هو كلامه “الإستقلالي”، أمس الأول في الجنوب عن دور الجيش اللبناني “القوة الوحيدة” على أرض لبنان، بعد يوم واحد من التعامل الحاسم مع “إنتفاضة الدواليب” التي تمّ تحضيرها بعناية في الضاحية الجنوبية لبيروت التي لم يفهمها أي قارئ سياسي، سوى في سياق الرسالة الصارخة في وجه سليمان.


ومن يملك تفكيراً استراتيجياً، لا يستطيع ان يتجاوز الهدف السوري من الفراغ في الرئاسة لتنفيذ مخطط تطويع الجمهورية، بحيث بدا واضحاً ان النظام السوري مرتاح الى “اللا أنياب” الدولية فهو لاحظ عن كثب ان المجتمع الدولي يملك “الجزرة” (تأملوا في أداء الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي) ولكنه لا يملك “العصا”، وتالياً فهو يظن أنه قادر على الذهاب بطموحاته اللبنانية الى حدها الأقصى، أي الى تلك التي تكلم عنها بوضوح البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الى “المستقبل”.


وبذلك، يبدو ان المسار المرسوم للقضاء على لبنان من خلال المؤسسات المارونية مستمر، فبعد تفريغ رئاسة الجمهورية، تمّ تزخيم العمل على “تفريغ” قيادة الجيش.


وثمة من يؤكد أن “جريمة بعبدا” لها هدف واحد، بحيث يتم وضع الجيش اللبناني ـ حيث القرار مرتكز على موازين القوى ـ بين خيارين لا ثالث لهما، إما التفريغ وإما التطويع، وفي كلتا الحالتين مطلوب من العماد سليمان أن يتوقف عن أن يكون ضمانة استقرار ومبعث ثقة وصاحب وظيفة إنقاذية، وأن يدرك أن الرابع والعشرين من نيسان 2005 الذي كان شريكاً في صنعه، لا يعني أن المعادلة السورية قد انسحبت بدورها.
وبالمواكبة، فمؤسسة بكركي ليست بعيدة عن الإستهداف نفسه. البطريرك صفير حدّد الجهة التي تولت اغتيال دور بكركي في الانتخابات الرئاسية بعدما تمّ جرها الى دور ـ كمين، وهو الأكثر إدراكاً للمحاولات التي لعبتها فئات محددة لنزع المرجعية من المكان الوطني ـ الضامن الى المكان الفئوي ـ الأداة، ولذلك ثمة خشية أن يتم النيل من أحد مواقعها بالإغتيال، والمسارعة الى القول انه كان المرشح الاول ليكون البطريرك المقبل، على ما حصل تحديداً مع العميد الشهيد فرانسوا الحاج.


وعلى هذا الأساس، فإن التحدي الكبير المطروح حالياً، ليس تحدي امتصاص “كارثة بعبدا” بخطاب استدعاء الحوار “العقيم”، بل في دعم قيادة الجيش حتى تنهض من هذه الضربة الكبيرة بسرعة، بحيث لا يكون شهيدها “مدرسة حكمة” أي أمثولة “خنوع” بل أن يكون دفعا لمزيد من العطاء.


تبقى كلمة الى العماد سليمان: حضرة القائد، في معهد التدريب على الطيران العسكري، عندما يقع حادث مع أحد الطيارين المتدربين يسارع القائد الى توجيه الأوامر لجميع الطيارين المتدربين كي يبقوا في الفضاء، لأن الدماء متى تبرد تستجلب الخوف والرعب. نعم سقوط العميد ـ الركيزة حدث جلل، ولكن وجّه أمرك الى جميع ضباطك للتحليق فوراً في سماء حماية الوطن، من خلال حماية مؤسستهم العسكرية، فيحيا لبنان وتتقدس النجوم التي أحرقها المجرم “المجهول ـ المعلوم”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل