#adsense

معركة فلسطين والسلام الناقص

حجم الخط

"خاض الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة معركة سياسية – ديبلوماسية صعبة تشبه حرب 1973 التي حققت انتصاراً مصرياً – سورياً وهدفت الى تعزيز الموقف التفاوضي العربي مع اسرائيل. فقد أراد عباس، من طريق مطالبة مجلس الأمن بقبول فلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، تعزيز الموقف التفاوضي الفلسطيني ودعم خياره السلمي الذي يتمسك به اذ يدرك أن المقاومة المسلحة بقيادة حركة "فتح" أدت الى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة ودفعت المجتمع الدولي الى تأييد انشاء دولة فلسطينية لكنها لم تستطع تحويل الدولة واقعاً ، كما يدرك ان المقاومة المسلحة بقيادة "حماس" لم تحقق في المقابل أي مكاسب عسكرية أو سياسية أو ديبلوماسية للفلسطينيين بل جلبت الانقسام في صفوفهم والخراب والدمار لقطاع غزة ووصلت الى طريق مسدود. وعباس رجل السلام محبط من فشل جهود السلام لكنه واقعي ويعلم أن الفلسطينيين لن يتمكنوا من اقامة دولتهم فعلاً بقرار احادي يتخذونه بل انهم يحتاجون الى التفاهم مع اسرائيل عليها من طريق مفاوضات ترعاها أميركا لأنها الدولة الوحيدة في العالم القادرة على التأثير على الدولة العبرية اذا توافرت الظروف المناسبة ، خصوصاً انه ليس ثمة مجتمع دولي يتحمل مسؤولية صنع السلام". هذا ما قاله لنا مسؤول عربي بارز شارك في المشاورات المتعلقة بمعركة فلسطين في الأمم المتحدة ورأى ان هذه المعركة "كانت ناجحة ومجدية لأنها أثبتت ان الثورات الشعبية العربية لم تدفع العالم الى تقليص اهتمامه بالقضية الفلسطينية، وأظهرت ان اسرائيل تخشى السلام والمبادرات السياسية – الديبلوماسية أكثر مما تخشى المواجهة العسكرية".

واستناداً الى مصادر ديبلوماسية أميركية وأوروبية وثيقة الاطلاع في باريس "تواجه عملية حل النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي مأزقاً عميقاً قد يستمر سنوات لأن انجاز السلام يتطلب من كل الأطراف تقديم تنازلات جوهرية حقيقية ولأن اللاعبين الأساسيين ليست لديهم مصلحة أو قدرة أو رغبة في تقديم هذه التنازلات التي ستؤدي الى سلام ناقص أقل من الطموحات المشروعة للفلسطينيين ومن تطلعات الاسرائيليين . كما ان زعماء فلسطين واسرائيل وأميركا يبدون ضعفاء في مواجهة هذا النزاع وليست لديهم القدرة أو الارادة السياسية للتفاهم على خطة مشتركة لاحلال السلام". وأوردت هذه المصادر الأمور الأساسية الآتية في هذا الشأن:

أولاً – ان المشروع الحقيقي لحكومة بنيامين نتنياهو يهدف الى منع اقامة دولة فلسطينية متكاملة في الضفة الغربية وغزة قابلة للحياة والاستمرار، ولذلك تعزز هذه الحكومة النشاط الاستيطاني وتفرض شروطاً تعجيزية للتفاوض مع الفلسطينيين وترفض تقديم التنازلات الضرورية في ما يتعلق بالحدود والقدس والمستوطنات واللاجئين.

ثانياً – ان محمود عباس يرفض تقديم تنازلات جوهرية للاسرائيليين وهو يدرك تماماً انه يخسر شرعيته وشعبه اذا وافق على السلام الناقص أي على أقل من اقامة دولة فلسطينية حقيقية عاصمتها القدس الشرقية وعلى أساس حدود 1967 مع تعديلات في الحدود مقبولة لدى الجانبين، وعلى أساس حل عادل لمشكلة اللاجئين.

ثالثاً – ان الرئيس أوباما أبدى منذ تسلمه مهماته اهتماماً حقيقياً بانجاز السلام واقامة الدولة الفلسطينية التي تتعايش سلمياً مع اسرائيل وأعطى هذه القضية الأولوية، لكنه فشل لأنه لم يمتلك القدرة على اقناع نتنياهو بأي خطوة سلمية، وامتنع عن الدخول في مواجهة معه لأسباب داخلية خصوصاً، وهو ليس راغباً في فرض السلام على الطرفين المعنيين، ولذلك يرفض العمل جدياً على اطلاق عملية تفاوض جديدة ما لم يكن الفلسطينيون والاسرائيليون جاهزين لدفع ثمن السلام ولاتخاذ قرارات صعبة ومؤلمة ولتقديم تنازلات متبادلة كافية للتوصل الى تسوية سلمية للنزاع.

وفي رأي مسؤول أوروبي مطلع "ان اقتراح الرئيس نيكولا ساركوزي والرباعية الدولية بدء مفاوضات خلال شهر من أجل التوصل الى اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين بحلول نهاية 2012 لن ينجح ويحقق هدفه ما لم يستخدم الأميركيون والأوروبيون الديبلوماسية الخشنة الضاغطة في التعامل مع حكومة نتنياهو لحملها على تقديم التنازلات المطلوبة، وما لم يعمل المجتمع الدولي على فرض الحل السلمي للنزاع الذي يتطلب تنازلات مهمة من الطرفين. فالأطراف الرئيسيون الثلاثة، الأميركي والفلسطيني والاسرائيلي، ليسوا قادرين على صنع السلام الذي يؤمن لكل منهم انتصاراً حقيقياً، لذلك يمضون الوقت في البحث عن البدائل. وتدخل معركة عباس في الأمم المتحدة ضمن نطاق البحث عن البدائل في انتظار السلام الحقيقي".

المصدر:
النهار

خبر عاجل