
الجلافة السياسية التي أعلن بها حزب اللّه، من زعيمه حسن نصراللّه إلى رئيس كتلته محمد رعد، إلى رهطه النيابي وسَرِيته الإعلامية، عن قراره وإرادته بفرض رئيس جمهورية “يريده” بما يناسب سلاحه و”مقاومته”، كانت تعبيراً فاقعاً عن حقيقة “الرئيس التوافقي” الذي نادى به في الأسابيع المنصرمة، ما يؤكد أن “التوافقية” في مفهومه هي انصياع الجميع لِما ولمَن يريد، واستنساخ نموذجَيه أميل لحود وميشال عون.
ومنذ اللحظة الأولى لطرح نصراللّه فكرة “الرئيس التوافقي”، تنبّهت القوى والكتل النيابية الوطنية السيادية لهذه اللعبة المتخفية تحت معادلة “الحق الذي يُراد به باطل”، ونبّهت المجموعات النيابية المأخوذة بشعار التوافق والاقتراع بأوراق رمزية إلى خطورة ما يُحاك تحت عنوانَي “التوافق” و”الحوار”.
وقد جاء موقف البطريرك الراعي أمس، بتفنيده وتفكيكه حقيقة الرئيس التوافقي، كي يكشف نيّات الشر المبيّتة، والتي لم تتأخر هي أيضاً في الكشف عن نفسها عبر مواقف التحدّي التي أطلقها نصراللّه وبطانته، ليس فقط في تحديد مواصفات “الرئيس المقاوماتي الممانع”، بل أيضاً في العودة إلى استعداء العرب والغرب تنفيذاً لمتغيرات أجندا مرجعيته الإيرانية بين الشد والرخي من سهول أوكرانيا وصحارى اليمن إلى مياه الناقورة و”العدو الحميم” إسرائيل.
والواضح أن قيادة حزب اللّه لا تُقيم حساباً لمصالح لبنان، بل تسير على وقع إرشادات “المرشد”، بسطاً أو انقباضاً، في الملفات الإقليمية والدولية.
كما أن تشدده الطارئ والمباغت في مسألة الرئاسة اللبنانية الأولى ينمّ عن ارتباك أو عجز، أكثر ممّا يعبّر عن قدرة على القرار والفعل.
وهذا ما يفسّر دورانه في الحلقة المفرغة للأوراق البيضاء، وفي تشتت أذرعه وأدواته السياسية.
وهو يدرك أنه، ولو نجح في تدبير مصالحة بين الثلاثي ” أمل” و”العوني” و”المردة”، لا يستطيع فرض لحود ثانٍ أو عون مستنسخ، لأن قوى المعارضة، وبرغم بعض بطونها الرخوة حتى الآن، قادرة على إسقاط مشروعه بفعل تكريس الرقم الرافض والمتنامي إلى ما فوق ال٤٩ نائباً، مع أن الرقم ٤٣ كافٍ في حد ذاته لإحباط حساب “الرئيس الذي يريد”.
ومع كشف نصراللّه لعبته ونيّته بنفسه، بات توحيد المعارضة أكثر سهولة، خصوصاً أنه هاجم النواب التغييريين ووصم “ثورة ١٧ تشرين” بالعمالة ل”اللعنة” الأميركية، ومعهم نواب مستقلون كانوا حائرين حتى الآن في خياراتهم تحت “خدعة التوافق والحوار”.
لعلّ نصراللّه ورعد وأشباههما قدّموا، من حيث لا يدرون، خدمةً للنواب المترددين في الإقدام على حسم موقفهم، بحيث يسهل عليهم الاختيار بين رئيس لحزب اللّه ورئيس للبنان.
وغداً يومٌ لاختبار هذا الاختيار، في اجتماع أطياف واسعة من النواب المعارضين.
فلعلّهم يخرجون من قاعة الخطى الضائعة إلى رحاب القرار الوطني الحر.